الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٩ - مضمون الأقسام الخمسة والمقسم له
وبداية أشار إلى قوم عاد وقال:
«أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ» [١].
وفي ٣٤ آية من آيات القرآن الكريم تحدّث القرآن عن قوم عاد، ويتحدّث في كل مورد من هذه الموارد عن زاوية خاصّة لهؤلاء القوم، وطبعاً فإنّ هذه القصّة لم تسلم من أيدي الوضاعين والقصاصين وحالها حال سائر قصص الأنبياء في اختلاطها بالأساطير والخرافات والموهومات، فلو أننا تحركنا من موقع حفظ تاريخ الماضين من التلوث بهذه المجعولات المزيفة فسوف تبقى ناصعة ومتألقة وتتحول إلى سراج مضيء للسالكين في مطاوي التاريخ وتتبدل إلى دروس ثمينة للأجيال البشرية فيما تفرزه من معطيات ومكتسبات إيجابية في حركة الإنسان والمجتمع.
على أيّة حال فإنّ قوم عاد أقدم الأقوام البشرية التي عاشت في هذه الدنيا، وكانوا يملكون أجساماً قوية وأبداناً ضخمة، وكانوا أصحاب حضارة راقية، وأحد ملوكهم وسلاطينهم يسمى «شداد» والمعروف بجنّته، بل إنّه أراد مواجهة نبي زمانه وعزم على بناء جنّة على الأرض ودعوة الناس إليها، ليعرضوا عن دعوة الأنبياء الإلهيين وعن جنّتهم الاخروية.
فدعا إليه مائة بنّاء ومهندس من أهل الخبرة والتجربة وحشد إليهم ألف عامل من عمّال البناء والفلاحين، وأمرهم أن يبنوا له بستاناً عظيماً لا مثيل له وفيه من القصور والمباني الجميلة والرائعة، كيما يعتقد الناس بأنّ شداد هو إلههم وأنّ هذه الجنّة هي جنّته.
وهكذا أوشك بناء جنّة شداد على النهاية بعد أن أنفق فيها أموالًا طائلة، ولكنّه قبل أن يدخل إليها كان اللَّه له بالمرصاد، فأمر الرياح العاصفة بهدم هذه الجنّة
[١]. سورة الفجر، الآيات ٦- ٨.