فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٧ - المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ـ بعد أن سئل عن قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) « غيّروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود » ـ قال : « إنّما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك والدِّين قُلٌّ ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرَب بِجِرانه فامرؤٌ وما اختار » (٢٠)، وللكلام صلة .
ولا ينحصر الكلام بهذه المسائل الخمس ، بل المراد توضيح أنّ المفتاح الأصلي الوحيد لحلّ قسم كبير من المسائل المستحدثة هو هذا المعنى ؛ أي تبدّل الحكم بتبدّل الموضوعات عرفاً .
وعصارة الكلام : أنّ الأحكام المأخوذة من الشارع المقدّس ثابتة لا تتغيّر مدى القرون والأعصار ولا تتبدّل بحسب اختلاف الأمكنة والأمصار ، فالحلال حلال دائماً والحرام حرام كذلك ، ولكن الموضوعات العرفية متغيرة دائماً ، فكلّما تغيّر الموضوع تغيّر الحكم،حيث إنّ الموضوع كثيراً ما يكون متأثّراً بالزمان والمكان ، فإذا تغيّر الزمان والمكان تغيّر الموضوع فيتغيّر الحكم تبعاً له .
وتغيّر الموضوع على أقسام مختلفة : تارة يكون بتبدّل الماهية كما في الكلب الواقع في المملحة ، واُخرى بتبدّل أوصافه الخارجية كتبدّل الدم من جسم الإنسان إلى البقّ ، وثالثة بتبدّل الاُمور الاعتبارية كتبدّل المالية . وهذا هو المراد من تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد .
ثالثها :هو أنّ تبدّل الزمان والمكان قد يكون سبباً لتنبّه الفقيه إلى مسائل جديدة وانشراح فكره وصدره ، فيلتفت إلى اُمور لم يكن متنبهاً لها في السابق ، سيما بعد قيام الحكومة الإسلامية ، ولكن لا بمعنى أنّه إذا كان خارجاً عن هذه الدائرة كانت له أفكار خاصة وإذا دخل تبدّلت أفكاره ، بل بمعنى التفاته إلى حاجات ومصالح النظام والاُمة .
فمثلاً يتنبّه إلى أنّ تحصيل العلم ـ الأعمّ من كونه دينياً أو دنيوياً ـ الذي كان يعدّه في الماضي من الواجبات الكفائية ، يعدّه الآن من الواجبات العينية ؛ لما يحس من حاجة المسلمين الماسّة إلى ذلك في تدبير اُمور الدين والدنيا ، فإنّ الجماعة الجاهلة تصبح متأخرة جدّاً وضعيفة إلى النهاية ، ولا يرضى اللّه ورسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) والأئمة الهداة (عليهم السلام) هذا التأخر والضعف للمسلمين ، ولذا يفتي الفقيه بوجوب الجهاد لمحاربة
(٢٠) شرح نهج البلاغة( ابن أبي الحديد ) ١٨: ١٢٢.