فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٢
شارب ومصدراً لكلّ باحث وطالب ، ومن هنا ندرك عظمة الجهد الذي بذلوه وأنّه لم يكن جهداً عادياً ولا يمكن مقايسته بجهود من تلاهم من الفقهاء ، ولو قلنا إنّ أصل وجود اُولئك الأكابر من الألطاف الإلهيّة التي منّ اللّه بها على هذه الاُمّة لحفظ الشريعة لما جانبنا الصدق والحقّ في ذلك .
وقد تبنّت مجلّة فقه أهل البيت (عليهم السلام) مهمّة التعريف بحياة الفقهاء ودراسة حياتهم في البُعد الفردي والعلمي منها ، فنشرت بحثين عن عَلمين من أعلام الاُمّة وفقهائها وهما ثقة الإسلام الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني ، والشيخ الأجلّ عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي ( رضوان اللّه عليهما ) ، وتتبنّى في هذا العدد تقديم مقال آخر عن أحد أعلام القرن الرابع الذين أحيوا الشريعة ، وهو :
الشيخ الصدوق الثاني (٦):
رئيس المحدّثين على الإطلاق ، وفقيه الإمامية ووجههم ، صدوق الطائفة وملاذها وركن الملّة وعمادها ، ناصر الحقّ ورافع رايته ، وداحض شبهات الباطل وماحقه ، الذائد عن حمى الإمامة والدين ، المؤيّد بتأييدات ربّ العالمين ، شيخ مشايخ الإسلام والحجّة على الخاصّ والعامّ ، المولود بدعوة صاحب الأمر ( عج ) ، المخصوص بخفيّ رعايته وألطافه ، الشيخ الفقيه المحدّث أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي ، الملقّب في ألسنة الفقهاء بالصدوق ، كذا أثبت نسبه (رحمه الله) في أكثر كتبه ، ولم يتجاوز به بأكثر من جدّه بابويه .
لمحات عامّة :
ولد الشيخ الصدوق (رحمه الله) في محتدٍ طيّب وبلدة عريقة ، في مدينة قم موئل العلماء ومنبت الفضيلة ، وتربّى في وسط بيت رفيع من بيوتاتها كان قد عُرف بالصلاح والعلم وزعامة الدين ، فدرج في مقتبل أمره وعنفوان فتوّته يرتضع لبان المعارف والفضيلة ، ويرتشف من معين العلم على يد والده الفقيه المعظّم ذي الجلالة والشرف ، عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه المعروف بالصدوق الأوّل ،
(٦)الصدوق على الإطلاق هو أبو جعفر محمّد بن عليّ الذي نحن بصدد ترجمته ، ويطلق أيضاً على أبيه ( ابن بابويه ) مع تقييدها بالأوّل ، وإذا أطلق الصدوق الثاني فإنّه يراد به الشيخ الصدوق أبو جعفر . ونقل عن الشيخ عليّ سبط الشهيد الثاني أنّه كان يعبّر بالصدوقين عن الشيخ الصدوق وأخيه الحسين بن عليّ ، حتى رأى جدّه الشهيد الثاني في المنام فقال له : إنّ الصدوقين يراد بهما محمّد وأبيه دون أخيه . وعلى كلّ حال ، فالشيخ الصدوق هو ثاني المحمدين الثلاثة ( الكليني ، الصدوق ، الطوسي ) وكنية الجميع ( أبو جعفر ) ، وربّما أطلق على الشيخ الصدوق ( أبو جعفر الثاني ) . وليعلم أنّ هذا اللقب لم يطلق ويشتهر في كلمات الفقهاء والأصحاب إلاّ على الشيخ أبي جعفر (رحمه الله) ـ المترجم . نعم ذكر النجاشي في ترجمته ليونس بن عبدالرحمن ( ص ٤٤٧ ): « أنّ الشيخ المفيد وصف أبا القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه بالشيخ الصدوق أيضاً » انتهى . وأنت عليم بأنّ ذلك غير شائع في ابن قولويه ، فقد ذكر في الروضات ٢ : ١٧١في ترجمة ابن قولويه ، نقلاً عن إيجاز المقال بأنّ ابن قولويه قد يلقّب أحياناً بالصدوق .