فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٣
الإنساب درج وتربّى في أحضان الفضيلة ، تحت رعاية والده الزاهد العابد العالم الذي كان يرفع له في كلّ يوم من العلم والتقى علماً . . كيف وهو اُمنيته التي طالما دعا اللّه تعالى أن يحقّقها فكان كما أراد ورجا ، وتوسّم فيه الخير والنفع كما جاء في التوقيع الشريف . فحرص على تربيته وتغذيته من علومه وكمالاته الروحية ، وشعّ على نفسه من صفائه وأغدق عليه من فيض علومه فصقل روحه وعقله وصهر معدنه وجوهره حتى صار مثالاً له بعد ملازمة بينهما فاقت العشرين عامّاً .
أجل ، لقد كان لأبي الحسن بن بابويه الأثر الكبير في تكوين وتطوير شخصيّة ولده العلمية ، حتى كاد أن ينعكس أثره في مجمل العطاء العلمي للشيخ الصدوق . فهذا الخطيب البغدادي يروي أنّ الصدوق (رحمه الله) عند ما ورد بغداد حدّث فيها عن أبيه (٤٦)علماً بأنّ وفاة أبيه كانت سنة ٣٢٩وبينه وبين وروده لبغداد أكثر من عشرين عامّاً الأمر الذي يُظهر عنايته بفقه وحديث أبيه على الرغم من سماعه وتحمّله عن غيره من المشايخ طيلة هذه الفترة . ونقل ابن النديم في فهرسته أنّه قرأ على ظهر نسخة وجدها بخطّ الصدوق « أجزت لفلان ابن فلان كتب أبي عليّ بن الحسين وهي مئتا كتاب وكتبي وهي ثمانية عشر كتاباً » (٤٧).
ولك أن تتأمّل تراث الشيخ الصدوق فإنّه يُنبئك عن غزارة النقل عن أبيه في مجموع مصنّفاته الثلاثمئة ، التي ضنّ الدهر علينا بالكثير منها ، بيْدَ أنّ ما وصلنا منها وظفرنا به يُنبئ عمّا فاتنا .
وإلى القارىء الفاضل بعض الاحصائيات المقارنة بين ما رواه عن كلّ واحد من أعيان مشايخه ممّن أكثر الرواية عنهم في مصنّفاته وهم : والده أبوالحسن بن بابويه ، وشيخه المعظّم محمّد بن الحسن بن الوليد ، ومحمّد بن موسى المتوكّل ومحمّد بن عليّ ماجيلويه وأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار وعليّ بن أحمد الدقّاق ، لنرى تفوق ما يرويه عن أبيه وعنايته بتراثه ، الأمر الذي يعكس حرص والده طيلة عشرين عامّاً أو أكثر على أن يُسمع ولده أكثر ما يمكن من الرواية والحديث .
(٤٦)تاريخ بغداد ٣ : ٨٩.
(٤٧)الفهرست : ٢٤٦، الفنّ الخامس من المقالة الخامسة .