فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨٦ - المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
من أنّ تأكيد الشارع المقدّس على المباهاة بكثرة المسلمين إنّما كان في زمن كان هذا سبباً لمزيد القوة والشوكة ، فالموضوع في الحقيقة كثرة النفوس الموجبة لذلك ، كما يظهر من آيات كثيرة في الكتاب العزيز بعضها وقع في كلام اللّه تعالى أو بعض أوليائه وبعضها حكي عن الكفّار :
فمن الأول قوله تعالى في سورة نوح : {وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ} (١٦)فقد كان البنون كالأموال سبباً للقوة ، وقوله تعالى : {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} (١٧)، وقوله تعالى : {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاَداً} (١٨).
ومن الثاني قوله تعالى : {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (١٩).
فقد كانت كثرة الأولاد مثل كثرة الأموال سبباً للقوة والشوكة والعظمة ، فلو تغيّر هذا الموضوع في زمان وصارت الكثرة سبباً لمزيد الضعف والتأخّر والذلّة والحقارة ـ كما يحكى ذلك كثيراً عن أهل الهند ، حيث بلغت كثرة النفوس فيها إلى حدّ سبّب في موت الكثير منهم من شدّة الجوع ، وكذلك مسألة السكن حتى قيل إنّ أعداداً هائلة من الناس يتّخذون من أطراف الشوارع والممرّات مساكن لهم فيها يتكاثرون وفيها يموتون ، وليس لهم من أسباب الحياة شيء ـ فهل تكون كثرة النسل راجحة في نظر الشرع ؟ !
لا أقول :إنّ كثرة المسلمين قد وصلت إلى هذا الحدّ أو لا ، بل أقول : لو وصل الأمر إلى هذا الحدّ فهل هو شيء يباهي به رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) سائر الاُمم ؟ ! أو إنّ اللازم على المسلمين في هذه الأعصار الاهتمام بالكثرة من ناحية الكيفية ـ أعني الزيادة في العلم والقوة الفكرية والثقافية والصناعية والأخلاقية ـ لا الكثرة في كمية الأفراد الفاقدة لذلك ؛ فإنّ كثرتهم والحال هذه كثيراً ما تمنع عن الوصول إلى الكيفية المطلوبة ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه .
وقد يؤيد ذلك كلّه بما ورد في بعض الكلمات القصار لأمير المؤمنين (عليه السلام)
(١٦) نوح : ١٢.
(١٧) الإسراء : ٦.
(١٨) التوبة : ٦٩.
(١٩) سبأ : ٣٥.