فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٣ - النظام القانوني في الإسلام مقارنا بالنظم الوضعية الاُستاذ الشيخ عبّاس الكعبي
كالاقتصاد والاجتماع ، فالقاعدة في هذه العلوم تقتصر على تسجيل الواقع في المجال الذي يتناوله كل منها ، والتعبيرِ عنه تعبيرا أمينا . أمّا القاعدة القانونية فتتجاوز تسجيل الواقع إلى إلزام الإنسان الواعي بما ينبغي أن يكون عليه .
فالقاعدة المعروفة في العلوم الطبيعية من غليان الماء المقطّر عند تسخينه لدرجة المئة تقتصر على تقرير واقع معيّن هو غليان الماء بالضرورة تحت هذه الشروط ، والقاعدة المعروفة في الاقتصاد بقانون العرض والطلب في سوق السلع والعمالة تقتصر على بيان الواقع من تأثر الأسعار والاُجور بحجم العرض والطلب في السوق لا أكثر . بينما القاعدة القانونية المتعلّقة بالميراث مثلاً لا تعبر عن واقع السلوك الإنساني بصدد توزيع التركة إذا ما ترك لذاته ، وإنّما تبيّن ما يجب أن يكون عليه هذا السلوك ، وكذلك القاعدة التي تأمر بالوفاء بالعقود مثلاً لا تعبّر عن الواقع من التزام أطراف العقد بما تمّ التعاقد عليه دائما وفي جميع الأحوال ، وإنّما تضع السلوك الواجب اتباعه بهذ الصدد .
ثالثـا ـ الصفة التكليفية لقواعد القانون :
يذهب بعض رجال القانون إلى أنّ قواعد القانون ليست أحكاما تكليفيّة وإنّما هي مجرد أحكام « فرضيّة » ، فمثلاً القاعدة التي تقضي بالإعدام جزاءً على القتل ، لا تكلّف الناس بالانتهاء عن القتل ، وإنّما تقتصر على بيان أنّ فعل القتل يستتبع إعدام القاتل ، وتترك لكلّ فرد حرية الامتناع عن القتل وتجنّب الإعدام ، أو الإقدام عليه وتحمّل هذا الجزاء .
غير أنّ الاتجاه السائد في الدراسات القانونية على أنّ المخاطبين بالقانون يكون مطلوبا منهم دائما وأبدا مطابقة سلوكهم للنمط السلوكي التي تضعه القاعدة ، ويكون الجزاء بمثابة « العقاب » الذي يوقع على المخالف جزاءً له وردعا لغيره ، لا بمثابة أحد الخيارين المطروحين على المخاطبين بالقانون .