فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٩ - النظام القانوني في الإسلام مقارنا بالنظم الوضعية الاُستاذ الشيخ عبّاس الكعبي
ثانيـا ـ علاقة الجزاء بالتكليف :
والحق أنّ الجزاء ليس جزءا من القاعدة التكليفية ذاتها يدخل في تكوينه على نحو ما كان عليه التصور الكلاسيكي ، بل إنّما هو أثر يترتّب على مخالفتها ولا يدخل في تكوينها ، والفقه الإسلامي قد فصل بين الجزاء والتكليف ، واعتبر أنّ مخالفة القاعدة القانونية يستتبع جزاءً معينا دنيويا أو اُخرويا وإن كان الجزاء بحدّ ذاته حكما آخر ، فمخالفة الحكم الأوّل يستتبع إيقاع الحكم الثاني على نحو يبدو النظام القانوني كسلسلة متتابعة ومتشابكة من الأحكام يرتبط بعضها بالبعض الآخر .
ثالثـا ـ قصور الجزاء القانوني عن التنفيذ الإلزامي لأحكام القانون :
المفروض أنّ الجزاء القانوني بما له من أثر فوري يكفل الاحترام الواجب لقواعد القانون ، ولكن الحقيقة التي يكشف عنها علماء الاجتماع القانوني غير ذلك تماماً ، فهذا الجزاء لا يكفل الطاعة الواجبة لقواعد القانون ؛ ذلك أنّ توقيع مثل هذا الجزاء منوط ـ على أي حال ـ بالبشر القاصرة قدراتهم عن اكتشاف ما يقع من مخالفات ، وتحيد بهم أهواؤهم في كثير من الأحيان عن الإعلان عمّ يصلهم من مثل هذه المخالفات أو توقيع الجزاء بشأنها . فالناس على حسب أطباعهم يسيرون عادةً وفق أهوائهم ومصالحهم الذاتية الفردية وهم في مأمن من القانون وما يفرضه من الجزاء . ويكفي أن نضرب مثلاً لذلك بما نلاحظه من شيوع ظاهرة التهرب من الضرائب أو ظاهرة السوق السوداء رغم م تفرضه قوانين الضرائب أو قوانين التسعير الجبري من عقاب صارم . من أجل ذلك نجد علماء الاجتماع ينظرون إلى القانون كمجرد وسيلة من وسائل الضبط الاجتماعي تقف إلى جانب وسائل الضبط الاُخرى كالدين والأخلاق والتربية والتعليم ، ويقرّرون أنّ هذه الوسائل الاُخرى للضغط الاجتماعي أهمّ بكثير من حيث الفاعلية إذا ما قورنت بالقانون الذي يعتمد الجزاء المادي