فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٧٥ - عقود التوريد والمناقصات / ١ / الاُستاذ الشيخ حسن الجواهري
ثمّ لو كان معناه هو ـ كما ذكره صاحب مجمع البحرين ـ « بيع النسيئة بالنسيئة ، وبيع مضمون مؤجّل بمثله ؛ وذلك كأن يُسلم الرجل الدرهم في طعام إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل يقول الذي حلّ عليه الطعام : ليس عندي طعام ولكن بعني إيّاه إلى أجل ، فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة ، نعم لو قبض الطعام وباعه إيّاه لم يكن كاليا بكالي » . . فيكون معنى الحديث هو المنع من بيع دين مسبق بدين حصل في العقد ، وهذا لا يشمل التوريد ( الذي هو شراء سلعة بثمن ) الذي يكون الدينان قد حصلا بالعقد .
النتيجة : إذا بطلت كل الأدلة على عدم جواز هذه المعاملة يبقى عندنا عمومات القرآن الكريم مثل قوله تعالى : {أوفوا بالعقود } و { تجارة عن تراضٍ } و { أحلّ اللّه البيع } ، فما دام يصدق على هذه المعاملة أنّها عقد وتجارة وبيع ، فتشملها العمومات المتقدّمة ، وهي دليل الصحة (١٤).
حكم عقد التوريد عند غير الإمامية :
ثمّ إنّ عقد التوريد يشبه عقد الاستصناع عند الحنفيّة (١٥)الذي أجازوا فيه عدم ضرورة تعجيل الثمن ، بل أجازوا تأجيله إلى أجل معلوم ، فإذا صحّ عقد الاستصناع مع تأجيل الثمن صحّ عقد التوريد كذلك .
وذكر بعض (١٦)أنّ عقد التوريد هو من قبيل بيع الصفة ، وبيع الصفة يشترط المالكية فيه ألاّ يقدّم الثمن كما أنّ البضاعة مؤجلة ، فيجب أن يؤجل الثمن ، فيكون عقد التوريد لا إشكال فيه على رأي المالكية أيضا .
علاقة عقد التوريد بالعقد على المبيع الغائب ( بيع ما ليس عندك ) :
أقول : ثبت بأدلة متعددة (١٧)النهي عن « بيع ما ليس عند البائع » ، ولكن عقد التوريد للسلع في الآجال المعلومة لا يدخل في بيع ما ليس عندك ؛ لأنّ النهي عن بيع ما ليس عندك مخصص في صورة بيع المال الخارجي المملوك
(١٤)أقول : هذا الرأي هو مخالف لرأي الإمامية ، حيث إنّهم بين قائل ببطلان هذا البيع فتوى ، وبين قائل ببطلانه احتياطا . ونحن إن تأملنا في صدق البيع عليها والتجارة لعدم قبض الثمن والمثمن أو أحدهما ، فإنّنا لا نتأمل في صدق التسالم الموجود بين الطرفين فتكون صُلحا ، إلاّ أنّه حيث لا يوجد تقابض في البين ولا قبض لأحد العوضين ، فلعل صدق التفاهم أولى من صدق العقد المعاملي ، إلاّ أنّ التفاهم إذا وصل إلى حدّ التعهد صار عقدا ملزما ، وبما أنّ موضوعه المعاملة الآتية فيجب العمل بالعقد الذي موضوعه المعاملة القادمة .
(١٥)راجع المناقصات في العقود الإدارية : د . رفيق يونس المصري نقلاً عن المبسوط ٢ : ١٣٩. وعقد الاستصناع : ١٧٢.
(١٦)راجع مناقشة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في مجلة مجمع الفقه الإسلامي : الدورة التاسعة ، العدد التاسع ، الجزء الثاني : ٣١٤.
(١٧)راجع بحوث في الفقه المعاصر ، حسن الجواهري ١ : ٣٥٢وما بعدها .