فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٩٤ - درّة نجفيّة تحقيق الشيخ خالد الغفوري
أمّا أوّلاً: فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين والازراء بفضلاء الجانبين ، كما قد طعن به كلّ من علماء الطرفين على الآخر ، بل ربّما انجرّ إلى القدح في الدين ، ولا سيّما من الخصوم المعاندين ، كما شنّع عليهم به الشيعة من انقسام مذهبهم ودينهم إلى المذاهب الأربعة ، بل شنّع به كلّ من أرباب المذاهب الأربعة على الآخر .
وأمّا ثانيا: فلأنّ ما ذكروه في وجوه الفرق بين الفرقتين وجعلوه مائزا بين الطائفتين جلّه بل كلّه عند التأمل بمُرّ الانصاف وتجنّب جانب التعصّب والاعتساف لا يوجب فرقا على التحقيق ، كما سنوضّح لك ذلك في المقام بأوضح بيان تشتاقه الطباع السليمة والأفهام .
ولقد كان العصر الأوّل مملؤا من المحدِّثين والمجتهدين مع أنّه لم يرتفع بينهم صيت هذا الاختلاف ، ولم يطعن منهم أحد على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف ، وإن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل ، كما هو شأن العلماء من كلّ قبيل ، والأمر الدائر بينهم جيلاً بعد جيل .
وحينئذٍ فالأولى والأليق بذوي التقوى ، والأحرى في هذا المقام والأقوى هو أن يقال إنّ علماء الفرقة المحقّة وفضلاء الشريعة الحقّة ـ رفع اللّه تعالى درجاتهم وألحقهم بساداتهم سلفا وخلفا ـ إنّما يجرون على مذهب أئمتهم المعصومين وطريقتهم التي أوضحوها لديهم ، فإنّ جلالة شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على مرّ الأيّام والدهور يمنعهم من الخروج عن تلك الجادّة القويمة والطريقة المستقيمة ، ولكن ربّما حاد بعضهم ـ أخباريّا كان أو مجتهدا ـ عن الطريق غفلة أو توهّما أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل فهو لا يوجب تشنيعا ، ولا قدحا في أصل الاجتهاد .