التنقيح في شرح المكاسب - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ ميرزا علي الغروي - الصفحة ٥٦
استصحاب عدم جعل الحرمة موافقاً له.
وظهر بما ذكرنا أ نّه لا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية الوضعية كالطهارة من الخبث والحدث، كما إذا شككنا في انفعال الماء العالي بملاقاة النجاسة السافلة، فنجري استصحاب الطهارة ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة، لأنّ الطهارة نظير الاباحة لا تحتاج إلى الجعل، بل الأشياء كلّها على الطهارة ما لم تعتبر النجاسة فيها من قبل الشارع، بل الطهارة بحقيقتها العرفية كون الشيء باقياً بطبيعته الأوّلية، والنجاسـة والقذارة شيء زائد، بل استصحاب عدم جعل النجاسة معاضد لاستصحاب بقاء الطهارة. وكذا لا مانع من جريان استصحاب الطهارة من الحدث، كما إذا شككنا في بقائها بعد خروج المذي، ولا يعارضه استصحاب عدم جعل الطهارة، لأنّ النقض هو المحتاج إلى الجعل. وأمّا الطهارة المجعولة فهي الوضوء ـ أي الغسلتان والمسحتان ـ وقد أتينا بها، فهي باقيـة بحالها ما لم يصـدر منّا ما جعله الشارع ناقضاً لها، بل استصحاب عدم جعل المذي ناقضاً موافق لاستصحاب بقاء الطهارة.
وبعبارة اُخرى: إنّما الشك في أنّ الصلاة مشروطة بخصوص الطهارة الثانية ـ أي الحاصلة بعد خروج المذي ـ أو مشروطة بالأعم منها ومن الطهارة الاُولى ـ أي الحاصلة قبل خروج المذي ـ والأصل عدم اشتراطها بخصوص الطهارة الثانية. نعم، إذا شككنا في بقاء النجاسة المتيقنة كمسألة تتميم الماء القليل النجس كراً، لا مجال لجريان استصحاب بقاء النجاسـة للمعارضة باستصحاب عدم جعل النجاسة بعد التتميم.
فتحصّل: أنّ المختار في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية هو التفصيل على ما ذكرنا، لا الانكار المطلق كما عليه الأخباريون والفاضل النراقي، ولا الاثبات المطلق كما عليه جماعة من العلماء.