الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٥
و قال: انال ما أريد من الناس بهذين، فكان كما قال، و من هنا قال ٧: انّ اللّه يبغض الشيخ الزاني، و الفقير المتكبر، و ذلك لعدم وجود الداعي فيهما و هو الشّهوة و المال، و في بعض التّواريخ انّه قد سأل الفضل بن يحيى البرمكي عن سبب التكبر الذي كان يفعله مع النّاس و من اين أخذه، فقال: اخذته من فلان و هو رجل من أقارب الخليفة، و ذلك انّ الخليفة جعلني عاملا على قم و توابعها و كان لي من يكرهني عند الخليفة، فقالوا له: ينبغي ان تأخذ منه خراج هذه السنة قبل ان يمضي الى قم فأتتني غلمان الخليفة و الخراج كان مالا جزيلا فقال لي ابي: إمض الى فلان و قل له انّ ابي يقرأ عليك السّلام و تقول القصّة كذا و كذا، فان حصل شيء تقرضنا حتى نأتي بالخراج فمضيت اليه و وجدته جالسا وحده متكيا على محجّر، فسلّمت عليه و لم ينظر اليّ فتندّمت على المجيء اليه فقلت له ما قال لي ابي فلم يكلّمني فخرجت و لم أحك ماجرى لأبي، فلما كان قد مضى ساعة و اذا الجمال محملة بتلك الأموال معها غلمانه، و اذا هي تفي بالخراج و فوقه، فأوصلناها الى خزانة الخليفة، فلمّا جمعت الخراج أتيت بها الى بغداد حملت الجمال تلك الأموال و تقدّمتها فرأيته جالسا على تلك الهيئة فلما رأى الجمال قال: ما هذه الجمال؟ فقلت هذه الأموال التي استقرضها أبي منك، فقلت انّي كنت خزّانا لأبيك، خذ أموالك و امض، فلم يكلمني غير هذه الكلمة، فأتيت بالأموال فأعجبني تكبره لأنّه مشفوع بالكرم.
و اما حال المتكبر في الآخرة فهو شنيع فضيع، قال ٧: يحشر المتكبرون يوم القيامة بصورة الذرّ تطأهم الخلائق بأرجلها حتى يفرغ اللّه من الحساب، فهذا الهوان و الذلّ بأزاء ما راموه في الدنيا من الفخر و الكبر لم يحصّلوه.
بقي الكلام في معناه و في تحقيقه فقد روى الكليني (ره) في الصّحيح مسندا الى محمّد بن مسلم عن أحدهما ٧ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من الكبر، قال: فاسترجعت، فقال: ما لك تسترجع؟ قلت لما سمعت منك، فقال ليس حيث تذهب انّما هو الجحود، و قال الصادق ٧ الكبر ان تغمص[١] الناس: و تسفه الحق و قال رسول اللّه ٦: ان اعظم الكبر غمص الخلق و سفه الحقّ، قال: قلت و ما غمص الخلق و سفه الحق؟ قال: يجهل الحق و يطعن على أهله، فمن فعل ذلك فقد نازع اللّه تعالى ردائه و عن عمر بن يزيد عن ابيه قال: قلت لأبي عبد اللّه ٧ انّني آكل الطعام الطّيب، و أشم الريح الطيبة، و أركب الدابة الفارحة، و يتبعني الغلام، فترى في هذا شيئا من التجبّر فلا افعله، فأطرق ابو عبد اللّه ٧ ثم قال: انّما الجبار الملعون من غمص الناس جهل الحق، قال:
[١] غمصه احتقره، رجل غمص عيوب.