الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠
فاعلم ان الناس كلهم بل كل اصناف المخلوقات متساوون في العبودية لأنّ مولاهم واحد فهم من قبيل ان يكون سلطان عنده انواع من العبيد فليس للأبيض ان يفخر على الأسود في أصل العبودية، و من هذا جاء الحديث انّ اللّه سبحانه أوحى الى موسى ٧ اذا جئت للمناجاة فاصحب معك من تكون خير منه، فنزل عن الناس و شرع في أصناف الحيوانات حتى مرّ بكلب اجرب، فقال أصحب هذا فجعل في عنقه حبلا ثم مرّ به، فلما كان في بعض الطريق شمر الحبل و ارسله، فلما جاء الى مناجاة الرب سبحانه قال يا موسى اين ما أمرتك به؟ قال يا رب لم اجده، فقال تعالى و عزّتي و جلالي لو أتيتني بأحد لمحوتك من ديوان النبوة، فهذا الحديث و ما روي في معناه منزّل على ما ذكرناه، و الّا فلا خلاف في انّ كلّ نبي بعث في زمانه فهو افضل و اشرف من اهل زمانه و كذلك الناس يتفاوتون في الفضل و الشّرف على قدر خدمتهم لمولاهم، فيكون هذا الشرف عارضيّا و مع هذا فلا ينبغي للعبد ان يفتخر على غيره به و ذلك لأنّه شيء قد ألزم به و هو واجب عليه، فينبغي له ان يكل الفخر و المدح الى مولاه بأن يكون هو الذي يباهي به و يظهر شرفه.
و في الحديث ان اللّه تعالى يباهي الملائكة و يفاخرهم بأقوام، منهم رجل صار في قفر من الأرض ليس معه أحد فيقوم يؤذّن و يقيم للصلاة فيقول سبحانه أنظروا يا ملائكتي الى عبدي هذا قام يذكرني في هذه الفلاة من الأرض، و رجل قام الى صلاة الليل فأخذه النّعاس و هو ساجد فيقول سبحانه انظروا الى عبدي روحه عندي في قبضتي و بدنه ساجد لي و رجل لم يقم لصلاة الليل لعارض، ثمّ اذا جاء النهار قام يقضيها، الى غير ذلك فيكون المولى هو المادح لهم و المثني عليهم، و لهم الفخر الواقع في نفس الأمر، و في الدّيوان المنسوب الى مولانا امير المؤمنين ٧:
|
الناس من جهة التّمثال اكفاء |
أبوهم آدم و الأمّ حواء |
|
|
فان لم يكن في أصلهم شرف |
يفاخرون به فالطّين و الماء |
|
|
ما الفخر الّا لأهل العلم انّهم |
على الهدى لمن استهدى أدلّاء |
|
|
و قيمة المرء ما قد كان يحسنه |
و الجاهلون لأهل العلم أعداء |
|
نعم اذا اراد الأنسان بيان احواله اذا كانت مجهولة لغرض من الأغراض الشرعية جاز له و ان كان فيه عبارات الفخر، لكن لا يكون الفخر و الكبر مقصودين له كما كان يستعمله قدماء علمائنا من ذكرهم مدائحهم و معالي منابتهم في كل عنوان، و من هذا جاء في الحديث قوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم انا خير الخلق و لا فخر، و أنا أفصح العرب و لا فخر، الى غير ذلك و مقصوده ٧ اظهار بيان شيء من شأنه عند جهّال الناس لا الفخر، و لهذا بالغ في نفيه بلا الجنسيّة،