موسوعة الإمام العسكري(ع) - الخزعلي، الشيخ أبو القاسم - الصفحة ٥١ - تلطّفه لابنه المهديّ
فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصالح و هو يظنّ انّه الأصالح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور، و ما تكنّ الضمائر، و تتصرّف عليه السرائر، و أن لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح.
ثمّ قال مولانا: يا سعد! و حين ادّعى خصمك: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لما أخرج مع نفسه مختار هذه الأمّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد أمور التأويل و الملقى إليه أزمّة الأمّة، و عليه المعوّل في لمّ الشعث، و سدّ الخلل، و إقامة الحدود، و تسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته، إذ لم يكن من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، و إنّما أبات عليّا على فراشه لما لم يكن يكترث له و لم يحفل به لاستثقاله إيّاه و علمه أنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصالح لها، فهلّا نقضت عليه دعواه بقولك: أ ليس قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الخلافة بعدي ثلاثون سنة، فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، فكان لا يجد بدّا من قوله لك: بلى!
قلت: فكيف تقول حينئذ أ ليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة من بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر، و من بعد عمر لعثمان، و من بعد عثمان لعليّ، فكان أيضا لا يجد بدّا من قوله لك: نعم، ثمّ كنت تقول له: فكان الواجب على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يخرجهم جميعا [على الترتيب] إلى الغار، و يشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر و لا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم و تخصيصه أبا بكر و إخراجه مع نفسه دونهم.