كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٤٥ - باب بعثة برزويه الى بلاد الهند في تحصيل هذا الكتاب
قد أرهبت نفسي و أدخلت عليّ الفرق [١] و الخشية. فلمّا عرف برزويه أنّ الهنديّ قد عرف أنّ مصادقته إنما كانت مكرا و خديعة و طلب حاجته فلم يزجره و لم ينتهره بل ردّ عليه ردّا ليّنا كردّ الأخ على أخيه بالتعطّف و الرّفق وثق بقضاء حاجته منه فقال له: إني قد كنت هيّأت كلاما كثيرا و شعّبت له شعوبا [٢] و أنشأت له أصولا و طرقا فلمّا انتهيت فيه إلى ما بادهتني به من اطّلاعك على أمري و الذي قدمت له و ألقيته إليّ من ذات نفسك و رغبتك فيما ألقيت من القول اكتفيت باليسير من الخطاب معك عمّا كنت أختلق فيه. إذ عرفت الكثير من أموري بالقليل من الكلام لما قسم اللّه لك من العقل و الأدب. فكفيتني مئونة الكلام فاقتصرت به معك على الإيجاز. و رأيت من إسعافك إيّاي بحاجتي ما دلّني على كرمك و حسن وفائك.
فإنّ الكلام إذا ألقي إلى الفيلسوف و السّرّ إذا استودع اللّبيب الحافظ فقد حصّن و بلغ به نهاية أمل صاحبه كما يحصّن الشّيء النفيس في القلاع الحصينة. فقال له الهنديّ: لا شيء أفضل من المودّة، و من خلصت مودّته كان أهلا أن يخلطه الرّجل بنفسه و لا يذخر [٣] عنه شيئا و لا يكتمه سرّا و لا يمنعه حاجته و مراده إن قدر على ذلك. و رأس الأدب حفظ السرّ. فإذا كان السرّ عند الأمين الكتوم [٤] فقد احترز من التّضييع لأنه خليق أن لا يتكلّم به، و لا يكتم سرّ بين اثنين قد علماه و تفاوضا [٥] فيه و لا يكون سرّا لأنّ اللسانين قد تكلّما به، فإذا تكلم بالسّرّ اثنان فلا بدّ من ثالث من جهة الواحد أو من جهة الآخر، فإذا صار إلى الثّلاثة فقد شاع و ذاع حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده و يكابر [٦] فيه، كالغيم إذا كان متقطّعا في السّماء فقال قائل ان هذا الغيم متقطع لا يقدر أحد على تكذيبه.
[١] الفرق: الخوف.
[٢] شعوبا: طرقا.
[٣] الذخر (بالضم) : إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه.
[٤] الكتوم: الشديد الكتمان.
[٥] تفاوضا في الحديث: أخذا فيه.
[٦] الجحود: النكران و لا يكون الا على علم من الجاحد به و مثله المكابرة.