كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٣ - باب مقدمة الكتاب
الأبواب كتابا واحدا سمّاه كتاب كليلة و دمنة، ثمّ جعل كلامه على ألسن البهائم و السّباع و الطّير ليكون ظاهره لهوا للخواصّ و العوامّ و باطنه رياضة [١] لعقول الخاصّة، و ضمّنه أيضا ما يحتاج إليه الإنسان من سياسة نفسه و أهله و خاصّته و جميع ما يحتاج إليه من أمر دينه و دنياه، و آخرته و أولاه، و يحضّه على حسن طاعته للملوك و يجنّبه ما تكون مجانبته خيرا له، ثمّ جعله باطنا و ظاهرا كرسم سائر الكتب التي برسم الحكمة فصار الحيوان لهوا و ما ينطق به حكما و أدبا، فلمّا ابتدأ بيدبا بذلك جعل أوّل الكتاب وصف الصّديق و كيف يكون الصّديقان و كيف تقطع المودّة الثّابتة بينهما بحيلة ذي النميمة [٢] و أمر تلميذه أن يكتب على لسان بيدبا مثل ما كان الملك شرطه [٣] في أن يجعله لهوا و حكمة. فذكر بيدبا أنّ الحكمة متى دخلها كلام النّقلة أفسدها و استجهل حكمتها.
فلم يزل هو و تلميذه يعملان الفكر فيما سأله الملك حتّى فتق [٤] لهما العقل أن يكون كلامهما على لسان بهيمين، فوقع لهما موضع اللّهو و الهزل بكلام البهائم و كانت الحكمة ما نطقا به، فأصغت الحكماء إلى حكمه و تركوا البهائم و اللّهو و علموا أنّها السّبب في الذي وضع لهم و مالت إليه الجهّال عجبا من محاورة بهيمتين و لم يشكّوا في ذلك و اتّخذوه لهوا و تركوا معنى الكلام أن يفهموه و لم يعلموا الغرض الذي وضع له، لأنّ الفيلسوف إنما كان غرضه في الباب الأوّل أن يخبر عن تواصل الإخوان كيف تتأكّد المودّة بينهم على التّحفّظ من أهل السعاية [٥] و التحرّز ممّن يوقع العداوة بين المتحابّين ليجرّ بذلك نفعا الى نفسه، فلم يزل بيدبا و تلميذه في المقصورة حتّى استتمّ عمل الكتاب في مدّة سنة.
[١] رياضة: تمرين.
[٢] النميمة: هي السعي بإيقاع فتنة أو وحشة.
[٣] شرط: بمعنى اشترط.
[٤] فتق: شق و كشف.
[٥] السعاية: الوشاية.