كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٣٠ - باب مقدمة الكتاب
إذ عزم على الدّخول على هذا الجبّار الطّاغي، فقد علمتم نتيجة رأيي و صحّة فكري و أني لم آته جهلا به لأني كنت أسمع من الحكماء قبلي تقول انّ الملوك لها سكرة كسكرة الشّراب فالملوك لا تفيق من السكرة إلاّ بمواعظ العلماء و آداب الحكماء، و الواجب على الملوك أن يتّعظوا بمواعظ العلماء و الواجب على العلماء تقويم الملوك بألسنتها و تأديبها بحكمتها و إظهار الحجّة البيّنة اللاّزمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج عن العدل، فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لملوكهم ليوقظوهم من سنة [١] سكرتهم كالطّبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحّتها أو ردّها إلى الصّحّة فكرهت أن يموت أو أن أموت و ما يبقى على الأرض إلاّ من يقول إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطّاغي فلم يردّه عمّا كان عليه، فإن قال قائل إنه لم يمكنه كلامه خوفا على نفسه قالوا كان الهرب منه و من جواره أولى به، و الانزعاج عن الوطن شديد، فرأيت أن أجود بحياتي فأكون قد أتيت فيما بيني و بين الحكماء بعدي عذرا، فحملتها على التّغرير أو الظّفر بما أريده و كان على ذلك ما أنتم معاينوه، فإنّه يقال في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلاّ بإحدى ثلاث: إمّا بمشقّة تناله في نفسه و إمّا بوضيعة [٢] في ماله أو وكس [٣] في دينه، و من لم يركب الأهوال لم ينل الرّغائب و إنّ الملك دبشليم قد بسط [٤] لساني في أن أضع كتابا فيه ضروب [٥] الحكمة فليضع كلّ واحد منكم شيئا في أيّ فنّ شاء و ليعرضه عليّ لأنظر مقدار عقله و أين بلغ من الحكمة فهمه، قالوا: «أيّها الحكيم الفاضل، و اللبيب العاقل، و الذي [٦] وهب لك ما منحك من الحكمة و العقل و الأدب و الفضيلة ما خطر هذا بقلوبنا ساعة قطّ و أنت رئيسنا و فاضلنا و بك شرفنا و على
[١] السنة (بالكسر) : النعاس.
[٢] الوضيعة: الخسارة.
[٣] الوكس: النقصان.
[٤] بسط لساني: أي أطلقه.
[٥] ضروب: أصناف.
[٦] الواو هنا للقسم.