كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٢٩ - باب مقدمة الكتاب
الملك إنّ في دون ما كلّمتك به نهية [١] لمثلك، قال: صدقت أيّها الحكيم الفاضل و قد وليتك من مجلسي هذا إلى جميع أقاصي مملكتي، فقال له: أيها الملك أعفني من هذا الأمر فإني غير مضطلع بتقويمه إلاّ بك، فأعفاه من ذلك فلمّا انصرف علم أنّ الذي فعله ليس برأي فبعث فردّه و قال: اني فكّرت في إعفائك ممّا عرضته عليك فوجدته لا يقوم إلاّ بك و لا ينهض به غيرك و لا يضطلع به سواك فلا تخالفني فيه فأجابه بيدبا إلى ذلك..
و كان عادة ملوك الزّمان إذا استوزروا وزيرا أن يعقدوا على رأسه تاجا و يركب في أهل المملكة و يطاف به في المدينة فأمر الملك أن يفعل ببيدبا ذلك فوضع التاج على رأسه و ركب في المدينة و رجع فجلس بمجلس العدل و الإنصاف يأخذ للدّنيء من الشريف، و يساوي بين القويّ و الضعيف، و ردّ المظالم و وضع سنن العدل، و أكثر من العطايا و البذل، و اتّصل الخبر بتلاميذه فجاءوا من كلّ مكان فرحين بما جدّد اللّه له من جديد رأي الملك فيه و شكروا اللّه تعالى على توفيق بيدبا في إزالة دبشليم عمّا كان عليه من سوء السيرة، و اتخذوا ذلك اليوم عيدا يعيّدون فيه فهو إلى اليوم عيد عندهم في بلاد الهند.
ثم إنّ بيدبا لما أن أخلى فكره من اشتغاله بدبشليم تفرّغ لوضع كتب السياسة و نشط [٢] لها فعمل كتبا كثيرة فيها دقائق الحيل، و مضى الملك على ما رسم له بيدبا من حسن السيرة و العدل في الرّعيّة فرغبت [٣] إليه الملوك الذين كانوا في نواحيه و انقادت له الأمور على استوائها و فرحت به رعيّته و أهل مملكته، ثم إن بيدبا جمع تلاميذه فأحسن صلتهم و وعدهم وعدا جميلا، و قال لهم: لست أشكّ أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إنّ بيدبا قد ضاعت حكمته و بطلت فكرته
[١] النهية: من النهي و في نسخة نهاية.
[٢] نشط: خف و أسرع.
[٣] رغبت اليه: مالت برغبتها.
غ