كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٨ - باب مقدمة الكتاب
فلمّا بعد ذو القرنين عن الهند بجيوشه تغيّرت الهند عما كانوا عليه من طاعة الرجل الذي خلّفه عليهم و قالوا: ليس يصلح للسّياسة و لا ترضى الخاصة و العامّة أن يملّكوا عليهم رجلا ليس هو منهم و لا من أهل بيوتهم فانه لا يزال يستذلهم و يستقلّهم، و اجتمعوا يملّكون عليهم رجلا من أولاد ملوكهم فملّكوا عليهم ملكا يقال له دبشليم، و خلعوا الرجل الذي كان خلّفه عليهم الاسكندر. فلمّا استوسق له الأمر و استقرّ له الملك طغى و بغى و تجبّر و تكبّر و جعل يغزو من حوله من الملوك و كان مع ذلك مؤيّدا مظفّرا منصورا فهابته الرعية. فلمّا رأى ما هو عليه من الملك و السّطوة عبث بالرعيّة [١] و استصغر أمرهم و أساء السيرة فيهم و كان لا يرتقي حاله إلاّ ازداد عتوّا [٢] فمكث [٣] على ذلك برهة من دهره.
و كان في زمانه رجل فيلسوف من البراهمة فاضل حكيم يعرف بفضله و يرجع في الأمور إلى قوله يقال له بيدبا. فلما رأى الملك و ما هو عليه من الظلم للرعيّة فكّر في وجه الحيلة في صرفه عمّا هو عليه و ردّه إلى العدل و الإنصاف. فجمع لذلك تلاميذه و قال أ تعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه: اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم و ما هو عليه من الخروج عن العدل و لزوم الشرّ و رداءة السيرة و سوء العشرة مع الرّعية و نحن ما نروض أنفسنا [٤] لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك الا لنردّهم إلى فعل الخير و لزوم العدل و متى أغفلنا [٥] ذلك و أهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا و بلوغ المحذورات إلينا إذ كنّا في أنفس الجهّال أجهل منهم، و في العيون عندهم أقلّ منهم و ليس الرأي عندي الجلاء [٦] عن الوطن، و لا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه
[١] عبث بالشيء: لعب به و عمل ما لا فائدة فيه و نابه طرب.
[٢] عتوا: استكبارا و شدة.
[٣] مكث: أقام.
[٤] أي نطوع أنفسنا و نوطنها.
[٥] أغفلنا: تركنا.
[٦] الجلاء: الخروج.