كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١١٥ - باب الأسد و الثور
فترافعا إلى القاضي فاقتصّ القاضي قصّتهما [١] فادّعى الخبّ أنّ المغفّل أخذها، و جحد [٢] المغفّل، فقال للخبّ: أ لك على دعواك بيّنة؟قال نعم الشجرة التي كانت الدّنانير عندها تشهد لي أنّ المغفّل أخذها، و كان الخبّ قد أمر أباه أن يذهب فيتوارى [٣] في الشجرة بحيث إذا سئلت أجاب، فذهب أبو الخبّ فدخل جوف الشجرة، ثمّ إنّ القاضي لمّا سمع ذلك من الخبّ أكبره [٤] و انطلق هو و أصحابه و الخبّ و المغفّل معه حتى وافى الشجرة فسألها عن الخبر، فقال الشيخ من جوفها:
نعم المغفل أخذها، فلمّا سمع القاضي ذلك اشتدّ تعجّبه فدعا بحطب و أمر أن تحرق الشجرة فأضرمت حولها النيران، فاستغاث أبو الخبّ عند ذلك، فأخرج و قد أشرف على الهلاك فسأله القاضي عن القصّة فأخبره بالخبر فأوقع بالخبّ ضربا و بأبيه صفعا [٥] و أركبه مشهورا و غرّم الخبّ الدّنانير [٦] فأخذها و أعطاها المغفل.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ الخبّ و الخديعة ربّما كان صاحبهما هو المغبون، و إنّك يا دمنة جامع للخبّ و الخديعة و الفجور، و إني أخشى عليك ثمرة عملك مع أنك لست بناج من العقوبة لأنك ذو لونين و لسانين، و إنّما عذوبة ماء الأنهار ما لم تبلغ إلى البحار، و صلاح أهل البيت ما لم يكن فيهم المفسد، و إنّه لا شيء أشبه بك من الحيّة ذات اللّسانين التي فيها السّمّ فإنّه قد يجري من لسانك كسمّها، و إني لم أزل لذلك السّمّ من لسانك خائفا، و لما يحلّ بك متوقّعا و المفسد بين الإخوان و الأصحاب كالحيّة التي يربّيها الرجل و يطعمها و يمسحها و يكرمها ثمّ لا
[١] أي طلب أن يقصاها عليه.
[٢] جحد: أنكر.
[٣] يتوارى: أي يختفي.
[٤] أكبره: أعظمه-
[٥] الصفع: هو أن يبسط الرجل كفه فيضرب بها قفا الانسان أو بدنه فإذا قبض كفه ثم ضرب فليس بصفع.
[٦] أي ألزمه أداءها.