كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ١٠٠ - باب الأسد و الثور
لم يحمد رأيه كالمريض الذي يدع ما يبعث له الطّبيب و يعمد إلى ما يشتهيه، و حقّ على مؤازر [١] السلطان أن يبالغ في التحضيض [٢] له على ما يزيد سلطانه قوّة و يزينه، و الكفّ عمّا يضرّه و يشينه [٣] و خير الإخوان و الأعوان أقلّهم مداهنة [٤] في النصيحة، و خير الأعمال أحمدها عاقبة، و خير النّساء الموافقة لبعلها، و خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، و خير السلطان ما لم يخالطه بطر، و خير الأخلاق أعونها على الورع [٥] و قد قيل لو أنّ امرأ توسّد النّار و افترش الحيّات [٦] كان أحقّ ألاّ يهنئه النوم و الرجل إذا أحسّ من صاحبه بعداوة يريده بها لا يطمئنّ إليه، و أعجز الملوك آخذهم بالهوينا [٧] و أقلّهم نظرا في مستقبل الأمور و أشبههم بالفيل الهائج المغتلم [٨] الذي لا يلتفت إلى شيء، فإن أحزنه أمر تهاون به و إن أضاع الأمور حمل ذلك على قرنائه» [٩] .
قال الأسد: لقد أغلظت في القول و قول النّاصح مقبول محمول، و إن كان شتربة معاديا لي كما تقول فإنه لا يستطيع لي ضرّا، و كيف يقدر على ذلك و هو آكل عشب و أنا آكل لحم و إنّما هو لي طعام و ليس عليّ منه مخافة، ثمّ ليس إلى الغدر به سبيل بعد الأمان الذي جعلته له و بعد إكرامي له و ثنائي عليه، و إن غيّرت ما كان مني و بدّلته فقد سفّهت [١٠] رأيي و جهّلت نفسي و غدرت بذمّتي. قال دمنة: لا يغرّنّك قولك هو لي طعام و ليس عليّ منه مخافة، فإنّ شتربة إن لم يستطعك بنفسه
[١] مؤازر: معاون.
[٢] التحضيض: الحث.
[٣] يشينه: خلاف يزينه.
[٤] المداهنة: الغش و إظهار خلاف المضمر.
[٥] الورع: التقوى.
[٦] توسد النار: اتخذها و سادة أي مخدة، و افترش الحيات: اتخذها فراشا.
[٧] الهوينا: التأني و المراد بها هنا التواني و الفتور.
[٨] المغتلم: الهائج.
[٩] قرنائه جـ قرين: و هو العشير.
[١٠] سفهت رأيي: أي نسبته إلى السفه و هو الجهل و الخفة.
غ