إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٧٩٦ - الباب المتم الخمسين
إلى توحيد اللّه تعالى و ذكره و ترك الآلهة دونه، و صار «انطلق الملأ» لمّا أضمر القول بعده لمعنى فعل يتضمن القول، نحو: «كتبت» و أشباهه.
و الوجه الآخر: أن يكون «انطلقوا» بمعنى: «تكلموا» كما يقال: انطلق زيد فى الحديث، كأنّ خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.
و يقال فى «أن امشوا» : أن أكثروا و انموا. و ليس «المشي» هاهنا قطع الأماكن؛ بل المعنى هو الذهاب فى الكلام، مثل: (وَ اَلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيََاتِنََا) [١] . و معنى «المشي» هو الدّؤوب و الملازمة و المداومة على عبادتها، مثل: (إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً) [٢] ليس يريد الانتصاب، و إنما يريد الاقتضاء، و مثل: (اَلْقَيُّومُ) * [٣] ، أي: المديم حفظه خلقه.
فإن قيل: فإذا كان تأويل المشي على ما ذكرتم فغير ممتنع أن يكون التقدير: انطلقوا بالمشي؛ لأنه يكون على هذا المعنى: أوصوهم بالملازمة لعبادتها، قيل «الوصية» و إنما هى العبادة فى الحقيقة لا بغيرها، فلا يجوز تعليق «الوصية» بغير العبادة. و أيضا ليس المعنى: ذهبوا فى الكلام و خاضوا فيه بالمداومة و الملازمة بالعبادة.
و أما قوله: (مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ) [٤] . «أن» بمعنى: أي، و هى تفسير «أمرتنى» ، لأن فى الأمر معنى «أي» :
و لو قلت: ما قلت لهم إلاّ ما قلت لى أن اعبدوا اللّه، لم يجز، لأنه قد ذكر القول، و إنّ «أن» إذا كانت بمعنى «أي» ، فهى تحتاج إلى ثلاثة شرائط:
أولها: أن يكون الفعل و الذي يفسره، أو يعبر عنه، فيه معنى القول و ليس بقول، و قد مضى هذا.
[١] سبأ: ٣٨.
[٢] آل عمران: ٧٥.
[٣] البقرة: ١٥٥-آل عمران: -طه: ١١١.
[٤] المائدة: ١٢٠.