إعراب القرآن - الزجاج - الصفحة ٩٠٨ - الباب الحادي و الثمانون
و من ذلك قراءة العامة، نحو: منه، و عنه، بغير إشباع، غير ابن كثير، فإنه أشبع.
و قد قال سيبويه [١] : فإن لم يكن قبل هاء التذكير حرف لين أثبتوا الواو و الياء فى الوصل، نحو: «منه فاعلم» [٢] و قد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء، إذا كان ما قبل الهاء ساكنا، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفى، نحو الألف، و كما كرهوا التقاء الساكنين فى «أين» و نحوها، كرهوا ألا يكون بينهما حرف قوى، و ذلك قول بعضهم: «منه يا فتى» ، و «أصابته جائحة» .
قال: و الإتمام أجود، لأن هذا الساكن ليس بحرف لين و الهاء حرف متحرك.
فتراه رجّح قراءة «ابن كثير» على قراءة العامة، ألا ترى أن العامة يقرءون: (فَإِنْ أَصََابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ) [٣] بلا إشباع، و «ابن كثير» يقرأ «فإن أصابته» بالإشباع، و هو اختيار «سيبويه» ، و العامة تنكّبوا ما اختاره لثقل الواو و آخر الكلمة.
و من ذلك ما رواه العامة فى اختلاف الهمزتين عن ابى عمرو، نحو:
(يََا زَكَرِيََّا إِنََّا) [٤] و (اَلسُّفَهََاءُ أَلاََ) [٥] فإنهم ليّنوا الثانية و خفّفوا الأولى، و سيبويه روى عنه عكس ذلك. و قد تقدم فى هذه الأجزاء هذا الفصل.
و من ذلك قول سيبويه: إن أبا الخطاب زعم أن مثله [٦] قولك: للرجل:
سلاما، و أنت تريد: تسلّما منك، كما قلت: براءة منك، [تريد] [٧] :
لا ألتبس بشىء من أمرك. و زعم أن أبا ربيعة كان يقول: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فزعم أنه سأله ففسّر له معنى: براءة منك، و زعم أن هذه الآية (وَ إِذََا خََاطَبَهُمُ اَلْجََاهِلُونَ قََالُوا سَلاََماً) [٨] بمنزلة ذلك. لأن الآية فيما زعم مكيّة
[١] الكتاب (٢: ٢٩١) .
[٢] هذه العبارة «نحو: منه فاعلم» لم ترد في «الكتاب» .
[٣] الحج: ١١.
[٤] مريم: ٦.
[٥] البقرة: ١٣.
[٦] يشير إلى قول سيبويه قبل، «و أما ترك التنوين في سبحان، فإنّما ترك صرفه لأنه صار عندهم معرفة، أو انتصابه كنصب الحمد للّه» (الكتاب ١: ١٦٣) .
[٧] التكملة من الكتاب.
[٨] الفرقان: ٦٣.