الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٥٩ - التنبيه التاسع (في لزوم تقليد الأعلم)
صورة الشك في العمومات القاضية بالتخيير فإن القدر الخارج منها صورة العلم بالأعلمية. و فيه ما عرفت في منع من تمسك بإطلاقها على عدم وجوب تقليد الأعلم، و احتمل بعض مشايخنا إجراء أصالة عدم الأعلمية. و فيه أيضا أنها لا تكون بنفسها موضوعا للحكم الشرعي بعد كون المستفاد من الأدلة ثبوت التخيير للعنوان الوجودي و هو معلومية التساوي لا للأعم منه و من الأمر العدمي، و لو فرضنا إثبات التساوي به فيحتاج ثبوت التخيير إلى دليل آخر غير مجرد التساوي الثابت بأصالة عدم الأعلمية على فرض الثبوت فإنه ليس من أحكامه العقلية و لا يترتب على المستصحب إلا الأحكام الشرعية. نعم لو ثبت أن التخيير هنا كهو في الأخبار مستفاد من الأدلة الشرعية كان له وجه و على أي حال فمن المحقق الثابت أن الأصول التعبدية الشرعية لا تثبت أكثر من الآثار المجعولة للشارع فلا يمكن إثبات التخيير بأصالة عدم الأعلمية إلا بواسطة أمر عادي و هو لزوم التساوي لها فيعود إلى الأصل المثبت اللهم إلا أن يدعي أن موضوع التخيير الأمر العدمي و هو عدم التفاضل لا الوجودي و هو التساوي و لعله مرضي يقضي به ظاهر المقبولة حيث ذكر السائل بعد بيان الإمام" (عليه السلام)" للمرجحات: (أنهما عدلان مرضيان لا يفضل أحدهما على صاحبه) فكأنه فهم أن الترجيح من أحكام التفاضل و إن عدمه بنفسه لا يوجب الترجيح و التعيين، فأصالة عدم الأعلمية تكفي في إثباته لكونها تنفي موجب التعيين و لا يلزم إحراز عنوان التساوي مثل: (أكرم العلماء و لا تكرم الفساق) فإحراز عدم الفسق يكفي في لحوق حكم العام، و لا يلزم إحراز العدالة فإن مجرد أخذ عنوان في المخصص لا يقتضي أخذ ضده في المخصص بل يكفي في نفي حكمه عدم كون المشكوك من أفراده إلا أن قيام ظن عدم التساوي يكفي في لزوم الفحص كما في غير المقام من الشبهات الموضوعية التي لا يجري الأصل فيها إلا بعد التفتيش مثل مستصحب الليل و عساه لغلبة المخالفة. و منه ما نحن فيه فالأحرى الحكم بلزوم الفحص مع العلم بالمخالفة سواء علم المقلد إجمالا بالأعلمية أم لا و عدم لزومه إذا لم يعلم الاختلاف بالفتوى و الأعلمية، و لا ريب في الحكم بالتخيير بعد الفحص أو قبله حيث لا نوجبه لانحصار طريق العامي به على قول مشهور، و الأحرى عندنا هو التخيير بين العمل بقول المجتهدين مع مساواتهم و بين الأخذ بغيره من الطرق المقطوع بإيصالها إلى الواقع و في وجوب تقديم ما يقطع المكلف بإيصاله إلى الواقع على الأخذ بقول المجتهد المظنون إيصاله إشكال. نعم ينبغي القطع بعدم جواز تقديم ما يظن بإيصاله إلى الواقع على قول المجتهد و الله العالم و أما كون التخيير استمراري أو ابتدائي فيتوقف الحكم به على بيان صور تبعيض التقليد و هي ثلاثة:
الصورة الأولى: تبعيضه في المسائل المختلفة التي لا ربط لأحدها بالأخرى و لا ريب فيه و لا إشكال في جوازه.
الصورة الثانية: أن يقلد في الحادثة الشخصية شخصا معينا فإنه لا يجوز له الرجوع إلى غيره فيها و عليه المعظم و ظاهرهم ذلك حتى لو فضل الثاني إذ لم يثبت أن أفضلية الأخر من النواقض لكي يتفرع عليه الجواز بالمعنى الأعم و هو مشكل.
الصورة الثالثة: أن يرجع إلى الثاني في الحوادث المستقبلة من جنس تلك المسألة مثل ما لو قلد من يرى صحة الوضوء بماء الورد و عمل به برهة أو في صلاة و بعد ذلك هل يجوز له تقليد من يرى الحرمة أم لا؟ ذهب إلى الجواز الفاضل في" النهاية" و ثاني المحققين و الشهيدين في" الجعفرية" و" المقاصد العلية" و جزم بالعدم الأكثر" كالتهذيب" و" الذكرى" و" المنية" و غيرها. بل لم نجد القول به من متأخري المتأخرين و هو الأنسب