الفوائد الجعفرية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٨٩ - الفائدة الحادية و العشرون (جوائز و الظلمة)
الذي هو محل للابتلاء كالإناءين الذي أحدهما طاهر و جواز التناول عند من يجري الأصل في الشبهة المحصورة، و لا يرى تنجز التكليف مع العلم الإجمالي بأحد المشتبهين أيضا لا شك فيه، و أما من يرى وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة كما هو الأوفق فيشكل عليه الحال في المقام، و لا بد للقائل بالجواز من دليل وارد على أدلة الاحتياط، يظهر من بعضهم خروج هذه المسألة عن حكم الشبهة المحصورة و إن حكم بالاجتناب فيها، و لعله المفهوم من إطلاق" الشرائع" و" نهاية الأحكام" و" الدروس" إن جوائز الظالم إن علمت حراما بعينها فهي حرام، و في" المسالك" (أن التقييد بالعين إشارة إلى جواز أخذها و إن علم أن في ماله مظالم كما هو مقتضى حال الظالم، و ليس حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع للنص على ذلك) انتهى، و لكن الجد الأكبر و شيخنا بمكاسبه حكما (بأن الجائر كغيره).
و ليس في إخبار الباب ما يكون حاكما على قاعدة الاحتياط في الشبهة المحصورة قال الجد (رحمه الله) في شرحه جوائز الجائر (إن علمت علما يقينيا غصبا أو مأخوذة بغير حق على أي نحو كان متميزة أو ممتزجة أو في ضمن محصور حرمت عقلا و شرعا كتابا و سنة و إجماعا) انتهى. و وجه شيخنا الحرمة بأن الأخبار المستدل بها على ذلك لا تخلو إما أن تكون من قبيل كل شيء فيه حرام و حلال فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه فهو إن تم كان دليلا على جواز الارتكاب في مطلق الشبهة المحصورة و لا خصوصية للمقام، و إن كان المقام خارجا بنص خاص فليس في نصوصه ما يفيد هذا مما مر كصحيحة أبي ولاد السابقة و ما بعدها.
و ملخص ما ذكره بعد التدبر في كلماته أن مساق رواية أبي ولاد إن كان حل ما بيد الجائر فهو خلاف ما يظهر من هذه الرواية و غيرها من حرمة ما يأخذه عمال السلطان بإزاء عملهم فلا بد من صرف الحكم بالحل إلى أن ما أعطاه ليس من أعيان ما أخذه، أو أنه من الخراج المحكوم بحليته فلا يشمل العلم الإجمالي بوجود الحرام فيه و لو شمل فهو في الشبهة الغير المحصورة و لو شملها أيضا لا يجدي لأن الحل من جهة تصرف الجائر المحمول على الصحيح و لو رده بعدم جريان أصالة الصحة من حيث اعتقاد العامل الحل و إن كان المالك معلوما فضلا عن المشتبه المحصور فالحل المذكور من جهة أن المشتبه مردد بين ما ابتلي به المكلف و ما لم يبتل به و لا يجب الاجتناب حينئذ عن شيء منها، و لا فرق بين ما نحن فيه و غيره ما ابتلي المكلف فيه بأحد المشتبهين دون الآخر و إن كان الحكم بالحل لورود النص المطلق مثل جوائز السلطان ليس بها بأس فهو يجري مجرى المطلقات المتقدمة مثل كل شيء لك حلال و لا حكومة لها على قاعدة الاحتياط، و نزل إطلاق من قال بالإباحة الشامل بإطلاقه للشبهة المحصورة بأن ذلك إما من جهة حمل تصرف المعطي على الصحيح أو من جهة أن المشتبه و إن انحصر إلا أن الانحصار بين ما ابتلي فيه و بين غير المبتلى به لا من أجل أن هذه المسألة خارجة بالنص. ثمّ ناقش في حمل مثل هذا التصرف على الصحيح بما مر، ورد المناقشة بأن الأصحاب لا يعتبرون بالحمل على الصحيح احتمال تورع المتصرف عن التصرف بالحرام لكونه حراما بل يكتفون باحتمال صدور الصحيح منه و لو لدواع أخر، و أما عدم الحمل فيما إذا تصرف بالشبهة المحصورة الواقعة تحت يده فلفساد تصرفه في ظاهر الشيء فلا يحمل على الصحيح الواقعي حتى قال (رحمه الله): (لم يثبت من النص و الفتوى عدم العمل بقاعدة الاحتياط في المقام) انتهى.