الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٧ - الخلاف في اشتراط انقراض العصر
المسك الثاني : هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق الاجماع مطلقا ، مع كونه حجة متبعة . وكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق على تحقيقه كان باطلا .
وبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لأهل ذلك العصر ، إذا كان من أهل الاجتهاد ، مخالفتهم ، وشرط في صحة إجماعهم موافقته لهم ، وإذا صار التابعي من أهل الاجماع ، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع التابعي . والكلام فيه كالكلام في الأول وهلم جرا ، إلى يوم القيامة .
ومع ذلك ، فلا يكون الاجماع متحققا في عصر من الاعصار .
ولقائل أن يقول : القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم :
فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في إحدى الروايتين عنه ، مع أنه يشترط انقراض العصر . وفائدة اشتراطه لذلك إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا ، لا لجواز وجود مجتهد آخر ، وعلى هذا ، فالاشكال يكون مندفعا . وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم ، فلا يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة ، واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم . وعلى هذا ، فالاشكال لا يكون متجها .
والمعتمد في ذلك أن يقال : إذا اتفق إجماع أمة عصر من الاعصار على حكم حادثة ، فهم كل الأمة بالنسبة إلى تلك المسألة ، وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطأ على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الاجماع حجة ، وذلك غير متوقف على انقراض عصرهم .
هذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم واحد بحكم ، وانتشر حكمه فيما بينهم ، وسكتوا عن الانكار ، وإن كان الظاهر الموافقة ، على ما سبق تقريره ، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم