الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٢١ - الإجماع حجة شرعية لها قوة النصوص
الوجه الثاني : أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الاجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين : والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الأزمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة . وهو الاجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه .
فإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا ، ومع هذا الاحتمال فلا قطع .
قولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الاجماع ، لا نسلم ذلك ، وما المانع أن يكون استدلالهم على الاجماع لا بهذه الأحاديث ، بل بغيرها والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع .
سلمنا استدلالهم بها على ذلك ، لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على الاجماع والاستدلال على صحة الأحاديث بالاجماع .
ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها .
وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها ، قطعا للشك والارتياب .
قلنا جواب الأول : أن الاجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير ، لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع ، كاختلافهم في دية الجنين . وقوله أنت علي حرام ، وحد الشرب ومسائل الجد والاخوة إلى غير ذلك ، ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل عدم نقله ، بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع ، بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله .
وجواب الثاني : ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه الاخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ريب فيه .