الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٩ - هل يمكن جهل الأمة بخبر أو دليل موجود ولا معارض له
مقتضاه ، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة معه ، وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك ، ويقطع ببطلانه ، وهو محال . وإن لم نمنعه من العمل به ، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف ، وهو المطلوب .
قلنا : لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه ، ولكنا نقول باستحالة ظهوره عليه ، لا من جهة العقل ، بل من جهة السمع ، وهو ما يفضي إليه من تعارض الاجماعين ، ولزوم الخطأ في أحدهما ، كما بيناه في المسألة المتقدمة .
ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه ، والمخالفون لأنفسهم بخلاف المسألة الأولى ، وأن المخالف في المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة الخائضين في تلك المسألة التي اتفقوا عليها ، وفي هذه المسألة المجمعون هم كل الأمة . ولذلك كان الاشكال في هذه المسألة أعظم منه في الأولى .
وعلى هذا ، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين ، ثم مات أحد القسمين ، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ بالقول الآخر . والوجه في تقريره ما سبق ، وإن خالف فيه قوم .
المسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل ، ولا معارض له ، وتشترك الأمة في عدم العلم به ؟
اختلفوا فيه : فمنهم من جوزه ، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم ، ولم يبلغهم ، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ ، فإن عدم العلم ليس من فعلهم ، وخطأ المكلف من أوصاف فعله .
ومنهم من أحاله ، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به ، لكان ذلك سبيلا لهم ، ولوجب على غيرهم اتباعه ، وامتنع تحصيل العلم به ، لقوله تعالى :
* ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) * الآية .