الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٦٠ - الخلاف في اشتراط انقراض العصر
مخالفة الشيخين ، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الاجماع ، فلعله كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر . ولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل النزاع .
وأما قضية التسوية ، فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق ، فإنه روي أنه خالف أبا بكر في ذلك في زمانه ، وقال له : أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه وماله كمن دخل في الاسلام كرها ؟ فقال أبو بكر : إنما عملوا لله ، وإنما أجرهم على الله ، وإنما الدنيا بلاغ . ولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر ، وإنما فضل في زمانه وعود الامر إليه ، لأنه كان مصرا على المخالفة .
وأما حده للشارب ثمانين ، فغايته أنه خالف الاجماع السكوتي ، ونحن نقول بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة .
وعن الحجة الأولى : من المعقول أنه ، وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين إلى الحكم عن اجتهاد وظن ، ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا . وأما إذ صار قطعيا فيمتنع العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني . وهذا بخلاف العود عن الاجتهاد الظني بالاجتهاد الظني .
وعن الثانية : أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف بموته ، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال : إنما لم يبطل مذهبه ، ولا ينعقد الاجماع بعده ، لان من بعده ليس هم كل الأمة بالنسبة إلى هذه المسألة التي خالف فيها الميت ، فإن فتواه لا تبطل بموته ، وهو الحق .
وعن الثالثة : بالفرق بين النبي ، عليه السلام ، والأمة ، أن قوله إنما لم يستقر قبل موته لامكان نسخه من الله تعالى ، وهو مرتقب . وذلك إنما هو بالوحي القاطع ، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ممتنع بخلاف رفع حكم الاجماع القاطع بطريق الاجتهاد .
وعن الرابعة : أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لاجماعهم فهو فرض محال ، بل الله تعالى يعصم الأمة عن الاجماع على خلاف الخبر ، وذلك يوجب إما عدم الخبر المخالف ، أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الاجماع .
وعلى هذا ، يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للاجماع السابق .