الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٨ - حكم اجماع الأكثر مع مخالفة الأقل
قلنا : بطريق المجاز ، ولهذا يصح أن يقال : إذا شذ عن الجماعة واحد ، ليس هم كل الأمة ولا كل المؤمنين ، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد . وعلى هذا ، فيجب حمل لفظ ( الأمة ) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا .
وعلى هذا ، فيجب حمل قوله عليه السلام : عليكم بالسواد الأعظم على جميع أهل العصر ، لأنه لا أعظم منه .
فإن قيل : فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على من ليس من السواد الأعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم .
قلنا : هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم . وعلى هذا يكون الجواب عن قوله : عليكم بالجماعة ، يد الله على الجماعة وحيث قال عليه السلام : الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما ، وقوله : إياكم والشذوذ .
قلنا : الشاذ هو المخالف بعد الموافقة ، لا من خالف قبل الموافقة ، وقوله : الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق ، ولهذا قال : والثلاثة ركب .
وما ذكروه في عقد الإمامة لأبي بكر ، فلا نسلم أن الاجماع معتبر في انعقاد الإمامة ، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية .
كيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر ، فإن كل من تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر أو طرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك . وقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الإمامة من علم الكلام .
والجواب : عن الحجة الأولى من المعقول ، أنه ، إن كان صدق الأكثر فيما يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم ، فلا يلزم مثله في الاجماع الصادر عن الاجتهاد ، مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الأمة ، والأكثر ليس هم كل الأمة على ما سبق . ثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين ، يكون قوله إجماعا محتجا به ، لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم ، لان خبر أهل كل بلد يفيد العلم .