الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٦ - حكم اجماع الأكثر مع مخالفة الأقل
قطعا لدخول العدد الأكثر في الكل ، ولا كذلك إذا حمل على الأكثر ، فإنه لا يكون الاجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والأكثر ليس هو الكل .
الثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة ، ولم ينكر أحد منهم على خلاف الواحد ، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الأكثر . ولو كان إجماع الأكثر حجة ملزمة للغير الاخذ به ، لما كان كذلك . فمن ذلك اتفاق أكثر الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم . وكذلك خلاف أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا ربا إلا في النسيئة . وكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل الفرائض ، ولزيد بن أرقم في مسألة العينة ، ولأبي موسى في قوله : النوم لا ينقض الوضوء ، ولأبي طلحة في قوله بأن أكل البرد لا يفطر ، إلى غير ذلك .
ولو كان إجماع الأكثر حجة ، لبادروا بالانكار والتخطئة ، وما وجد منهم من الانكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ ، كما جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض . ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون جائزا إلى وقتنا هذا . وربما كان ما ذهب إليه الأقل هو المعول عليه الآن ، كقتال مانعي الزكاة . ولو كان ذلك مخالفا للاجماع المقطوع به ، لما كان ذلك سائغا .
وقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى ، فقال إنه لو انعقد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ، فإما أن ينعقد الاجماع عليه ، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل والرجوع إلى التقليد ، وذلك في حق المجتهد ممتنع ، وإن لم ينعقد الاجماع عليه ، فلا يكون الاجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت مخالفته بالاجتهاد .
ولقائل أن يقول : إذا فرضنا أن انعقاد الاجماع من الأكثر دون الأقل حجة قاطعة ، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه . وإن كان على خلاف ما أوجبه اجتهاده ، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الاجماع القاطع .
ولهذا ، فإنه لو أجمعت الأمة على حكم ، ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في اجتهاده ما يخالف إجماع الأمة السابقة ، لم يجز له الحكم به ، بل وجب عليه الرجوع إلى الأمة .