الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢١٥ - الإجماع حجة شرعية لها قوة النصوص
معروفا ، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب ، وإذا نهوا عن شئ ، فإما أن يكون منكرا ، أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم ، لا ناهين عنه . وإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا ، وهو المطلوب .
فإن قيل : لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق ، على ما سيأتي ، وعلى هذا ، فلا تكون الآية عامة في الامر بكل معروف ، ولا النهي عن كل منكر ، سلمنا أنها للعموم ، لكن قوله ( كنتم ) يدل على كونهم متصفين بهذه الصفة في الماضي ، ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال ، بل ربما دل على عدم اتصافهم بذلك في الحال ، نظرا إلى قاعدة المفهوم . وعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم ، لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية ، فيكون حجة ، أو بعدها ، فلا يكون حجة .
سلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال ، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم لذلك في المستقبل ، وعلى هذا ، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان في حالة كونه حجة ، أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الأزمان ، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام ، ولا يلزم مثله في حق من بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل ، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه الصفة ، ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة . وإذا كان المراد بالآية بعض الأمة ، فذلك البعض غير معين ، ولا معلوم ، فلا يكون قوله حجة .
والجواب عن السؤال الأول ما سيأتي في العمومات ، كيف وأن الآية إنما وردت في معرض التعظيم لهذه الأمة ، وتمييزها على غيرها من الأمم ، فلو كانت الآية محمولة على البعض دون البعض ، لبطلت فائدة التخصيص ، فإنه ما من أمة إلا وقد أمرت بالمعروف ، كاتباع أنبيائهم وشرائعهم ، ونهت عن المنكر كنهيهم عن الالحاد ، وتكذيب أنبيائهم .
وعن الثاني : إنه إما أن تكون ( كان ) هاهنا زائدة ، أو تامة ، أو زمانية .