الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٥ - استحالة الجمع بين الخطر والوجوب
المسألة الثانية اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة ، لتقابل حديهما ، كما سبق تعريفه ، إلا على رأي من يجوز التكليف بالمحال .
وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الافعال إلى واجب وحرام ، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم ، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا حراما من جهتين ، كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو صلاة ، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير ، فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا وأكثر الفقهاء . وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة ، وقالوا : السجود نوع واحد ، وهو مأمور به لله تعالى ، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود ، وإلا كان الشئ الواحد مأمورا منهيا ، وذلك محال ، وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم ، وهو غير السجود .
وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية .
وقيل إنه رواية عن مالك . وقالوا الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها ، ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض ، فإنه قال : يسقط الفرض عندها لا بها ، مصيرا منهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف ، لا بما ليس من فعله والافعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه ، وهو عاص بها ، مأثوم بفعلها ، وليس له من الافعال غير ما صدر عنه ، فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا عليها ، متقربا بها إلى الله تعالى . لان الحرام لا يكون واجبا ، والمعصية لا تكون طاعة ، ولا مثابا عليها ولا متقربا بها ، مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الأصحاب .