بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٣ - النفاق ميراث الغدر
ذلك الجزّار المعروف كيف كان يتشدق بخطب حول التقوى؟ وإنما كان يفعل ذلك، ليغطّي كذبه ونفاقه وخواءه الإيماني بالكلمات المجرّدة.
النفاق ميراث الغدر
ثم إنّ الجحود قد لا يكون جحودًا اسميًّا، بقدر ما يكون جحودًا بالمعنى. وهذه هي حقيقة النفاق الذي يرثه من غدر وختر بعهده وميثاقه مع الله عزّ وجلّ.
ومن المؤكّد أن من يتعرّض لشدّة من الشدائد وهذا أمر طبيعي ومتوقّع للإنسان خلال حياته ثم لا يفي بعهده مع الله بعد خلاصه منها، فإن مشكلته بعد هذه الآية سيكون أخطر من الخطر الذي كانت تمثّله له تلك الشدّة؛ لأنه في البدء كان له جدلًا أن يبرّر كفره وجحوده بجهله، ولكنّه إذا أصبحت الأمور واضحة أمامه بشكل تام لن يبقى لديه حجّة لجحوده فيستحق العذاب ويكون مثله مثل ثمود حينما أراهم الله تعالى آية مبصرة، وهي الناقة التي خرجت من الجبل، ثم كفروا، فعمّهم العذاب؛ لأن الناقة كانت آية مبصرة واضحة.
أقول أخيرًا: إنّ ابن آدم محكوم بالعيش في هذه الدنيا ضمن ظروف متغيّرة، فلا يعرف ماذا يحدث له في غده. وهو لإحراز نجاحه في الحياة بأمسّ الحاجة إلى عامل إنقاذ مهم للغاية؛ ونقصد به التقوى والتزوّد بها بأكبر قدر
ممكن، لأن التقوى هي العامل الذي للإنسان أن يتسلّح به لمواجهة التغيّرات الطارئة في حياته، وما أكثرها.