بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٨ - ما هو الفلاح؟ وما هي السعادة؟
وينطلق إلى الحياة عبر التطلّع والطموح. وأرقى نوع من أنواع ترجمة هذا التطلّع الحقيقي والصادق والمشروع هو الدعاء.
إنّ أوّل ثمرة للدعاء في الحقيقة هو أنه يُكرّس في النفس الخُلق الفاضل، حيث يدعو الداعي ويطلب من الربّ المتعال أن يأخذ بيده إلى حيث تطهير قلبه من الأمراض والعقد النفسيّة، كالطمع والرياء والحسد والفواحش الباطنيّة.
وبالإضافة إلى كون الدعاء يمثّل مستوىً ساميًا من الإيحاء النفسي المطلوب، كذلك هو نوع عبادة، بل هو مخ العبادة، لأنه يختزل في طياته استيعاب الإنسان الداعي سرّ وجوده، فضلًا عن معرفته ربّه ومعرفته نفسه.
وقد ورد في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه واله، أنه قال
(خَيْرُ مَا يَسْأَلُ اللهَ الْعَبْدُ الْعَافِيَةُ) [١].
والعافية تعني الكمال في الأمن والصحّة والسلامة الروحيّة والجسديّة والماليّة، والصدق في اليقين، وعدم وجود العيب في التمسّك بالدّين.
ثم الدعاء يُفضّل أن يُشرك فيه الآخرون، كما هو الوارد في صلاة الليل، حيث يُستحب أن يدعو المصلّي في ركعة الوتر لأربعين شخصًا من إخوانه المؤمنين، مما يعكس تغلّبه على عقدة الأنا في نفسه، وتحرّره إلى حيث إرادته الخير لغيره. ومن طبيعة هذا الدعاء: أنه يُقرِّب بين الداعي والمدعو له؛ أي أنه يُوجِد صلة غيبيّة بينهما،
[١] بحار الأنوار، ج ٧٨، ص ١٧٣.