بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٥ - توصية مهمة للوالدين
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ مع ملاحظة أن يوسف الصدّيق عليه السلام قد فقد أسرته، وفقد الحنان والعطف الذي كان يوليه إيّاه أبوه النبي يعقوب عليه السلام، فابتيع كعبد وأصبح متاعًا في بيت العزيز، ولكن الله تعالى كان قد قضى ليوسف أن يحظى بالعطف والحنان والكرامة، فوجد كلّ ذلك في بيت العزيز، حيث أكرم مثواه. ثم قال العزيز لامرأته أيضًا عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [١]. مما يوحي بأن الولد لا نفع يرجى منه في المستقبل ما لم يحظَ بالكرامة من قبل الوسط الذي يعيش ضمنه.
وبفعل الكرامة والتكريم يتمكّن المرء في الحياة، وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [٢]، حتى صارت مقاليد مصر إليه، وكانت تحتضن أكبر حضارة على وجه الأرض آنذاك، بعد أن نال الاحترام والتكريم، فأصبح سلطانًا، وأصبح عالمًا، حيث علّمه الله تبارك وتعالى تأويل الأحاديث ومعرفة الوقائع.
وما لم يحظّ الطفل بمقدار كافٍ من العطف والكرامة من قبل الوالدين، أو من له القدرة على تعويضه هذين العاملين، فإنه من الصعب التنبؤ له بمستقبل طيب، ومن الصعب أيضًا توقّع الفائدة منه حين يكبر ويصبح شخصًا مسؤولًا. وكيف له أن يقوم بالمهام المناطة به في هذا المجال، وهو يفتقر إلى الثقة بالنفس
وإلى الشجاعة في الإقدام، مما يفقده الدافع الذاتي نحو التقدم، كما ويجهل آلية أداء تلكم المهام؟ بل وكيف له أن يختزل في ذهنه ضرورة الانصهار
[١] سورة يوسف، آية: ٢١.
[٢] سورة يوسف، آية: ٢١.