بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٣ - ممارسة الحياة بلا طيش
هذا المشي والمنحى في إزعاج الآخرين.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله، أنه قال
(إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ ..) [١]،
رفضًا للتهاون، ودرءًا للتطرّف والتشدد. فإذا كانت في نفس الإنسان حالة إقبال، فليعمل المستحبّات ما شاء له أن يعمل، أمّا إذا اعترتها حالة الإدبار، فليكتف بالواجبات.
هذا ما دعانا إليه الإمام علي عليه السلام في قوله
(إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَاراً، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى النَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى الْفَرَائِضِ) [٢]
. فالمطلوب هنا هو الاعتدال المنسجم مع الحكمة.
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ الأمر شامل لطريقة الكلام والتعبير؛ فلا يتكلّم الإنسان مع غيره بما يدل على همجيّته، ولا يتكلّم بطريقة تضطر الآخرين إلى عدم الاستجابة له والتفاعل معه. وإعلاء الصوت دليل في الغالب على أن المتكلّم يرغب في فرض نفسه على الآخرين بالقوّة. أمّا خفضه إلى حدود الهمس، فدليل في الغالب أيضًا على حالة من الانهزاميّة والذل في ذاته تجاه الآخرين. فيما الكلام يجب أن يكون بذاته وبمحتواه صحيحًا، وليس بالصوت المرتفع أو الصوت الذي لا يكاد يُسمع.
٤- إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.
للعلماء في هذا النص القرآني الشريف أكثر من منحى.
ومهما يكن فإن الحمار مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى،
[١] الأصول من الكافي، ج ٢، ص ٨٦.
[٢] نهج البلاغة، حكمة: ٣١٢.