بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - بصائر وأحكام
لعاش بهذه الطريقة، وإنما يخلد أهل الجنّة في الجنّة لنيّاتهم الحسنة، كما يخلد أهل النار في النار لنيّاتهم السيّئة أيضًا.
ومن طبع الإنسان أنه تتجذّر نواياه وعاداته بمرور الوقت؛ فهو يكبر، وتكبر معه أعماله ونواياه، حتى تتحول إلى طبيعة ثانوية عنده حتى أن الشيطان ليأتي للإنسان الذي قضى عمره في المعاصي، وقد بلغ من عمره الأربعين عامًا، فيربت على كتفه ويخاطبه قائلًا: (مرحبًا بوجه لا يفلح أبدًا)، وهذا نوع تعبير عن مدى ارتياح الشيطان من تمكّنه من خداع مثل هذا الشخص، إضافة إلى إلقائه اليأس والقنوط من رحمة الله في روعه.
وليكن في الحسبان أن في شخصيّة ابن آدم بُعدين: بُعد النار، وبُعد النور، وعمل الإنسان هو الذي يغلب بُعدًا على آخر. فإذا غلب جانب النور، فهو يلحق بالنور، حيث الجنان والرضوان والنعيم. أمّا إذا غلب جانب النار، فلا شك في التحاقه بالنار، حيث العذاب والغضب.
هذه حقيقة نقتبسها من الآية القائلة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ فكأنهم امتلكوا الجنّة واشتروها بأعمالهم وأقوالهم ونواياهم. أمّا العذاب الأليم، فهو عذاب للمسيء، وعبارة عن شيء خارجي يلحق به.
ولعلّ الرواية المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه واله تشير إلى هذا المنحى، حيث قال: (
لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قِيعَاناً وَرَأَيْتُ
فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَرُبَّمَا أَمْسَكُوا فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا لَكُمْ قَدْ أَمْسَكْتُمْ؟.
قَالُوا: حَتَّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ.