بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٤ - ممارسة الحياة بلا طيش
وحاشا لله أن يخلق شيئًا ثم يُدينه أو يعتب عليه بما جعل فيه. ومن هنا، فإن كلمة أَنكَرَ يعني أكثر ما يقع عليه الاستنكار، لا من جانب ذاتية الحيوان، وإنما من حيث تفاجؤ الإنسان السامع إلى هذا الصوت المرتفع. أمّا الأصوات الأكثر إزعاجًا في الحقيقة فهي أصوات المكائن وضوضاء المدن التي تؤثر سلبًا في الإنسان وسائر المخلوقات. والحال نفسه ينساق على مكبّرات الصوت التي يستخدمها أصحاب محالّ التسجيلات، إضافة إلى استخدام هذا
الجهاز المكبر في بعض المساجد، وخصوصًا عند أذان الفجر. إذ المطلوب أن يرفع الأذان في المساجد، ولكن بطريقة لا تزعج الأسماع، ولا سيّما المرضى والزُّمنى منهم. فهذا إذن بحاجة إلى قصد واعتدال، كأن يُقدَّم على الأذان آيات من القرآن المجيد تقرأ بصوت هادئ ولطيف، أو مقاطع من الأدعية والمناجاة؛ تمهيدًا لطيفًا ليستمع الناس لصوت الأذان ويفهموه. ولهذا يكشف العلم الحديث أن التلوث الصوتي (الضوضاء) أشد خطرًا على الآذان من تلوث الهواء.
والمهم؛ هو إنّ الحيوانات غير مسؤولة عن أصواتها وحركاتها، وإنما النص هذا مثال يضربه القرآن الكريم لنا. بمعنى أن النص لا يستهدف الحمار، بل صوته الذي قد يُحدث صدمة عند البعض، تمامًا كقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [١].
أو كقوله عزّ وجلّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [٢].
[١] سورة الجمعة، آية: ٥.
[٢] سورة الأعراف، آية: ١٧٦.