بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٣ - تفصيل القول
فَقَالَ
لَا تُشْرِكْ بِالله شَيْئاً وَإِنْ حُرِّقْتَ بِالنَّارِ، وَعُذِّبْتَ إِلَّا وَقَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ. وَوَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُمَا وَبَرَّهُمَا حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ، وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ) [١].
تفصيل القول
من آفاق الحكمة التي أوتي لقمان أنه وعظ ابنه. أَوَلَيس في ذلك دلالة على مدى اهتمامه بحكمته واعتزازه بها، والتي خَصَّ بها أحب الناس إليه وهو ابنه، لمعرفته أنه امتداد له، وأنه يحيا به، وأنه من الباقيات الصالحات؛ كل ذلك
دعاه إلى أن يخصَّه بحكمته، وهو إلى ذلك كان يعلم أن الوصية للأبناء هي السبيل لبلوغ الحكمة إلى غيرهم من ذوي القربى ومن ثم للناس، وهكذا نجد أن من سيرة الحكماء نقل تجاربهم إلى أقرب الناس إليهم ليكونوا وسائط نقلها إلى غيرهم.
ووصايا لقمان لابنه كثيرة، وينقل الكتاب لنا خلاصة منها، وفي التفاسير والأحاديث المزيد، إلا أن لقمان بدأ وصاياه بحكمته الأساسية، التي هي قاعدة سائر الحكم، وهي أخلاص العبودية للرب وتجنُّب الشرك به، وحينما تنطلق هذه الوصية من الوالد لولدة تكون لذلك مزية بالغة. لماذا؟.
لأن من عوامل الشرك الأساسية بالله سبحانه طاعة الوالدين أو تقليد الآباء وما سُمِّي اليوم بالسلفية؛ فإنها من أعظم أسباب الشرك في التاريخ، ذلك أن الأمم كانت ترفض- في البدء- دعوة الرسل، ويعتذرون بأنهم على دين آبائهم. وحتى في عالم الذر حينما أخذ ربنا ميثاق التوحيد من ذرية آدم وأشهدهم على أنفسهم، حذَّرهم من هذا العذر الواهي، وأنذرهم بأن تقليد الآباء (والسلفية) ليست عذرًا مقبولًا. لماذا؟.
[١] الأصول من الكافي، ص ٢، ص ١٥٨.