بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٩ - لماذا خلق الإنسان؟
حياته حياة خاضعة للحالة الروتينية؛ إذ ينطلق المرء في البحار ويرى الآفاق وعجائب الخلقة غير المألوفة لنفسه، كما هي في البر، وكلّما رأى المرء الآيات ازداد وعيًا وحكمة وكمالًا.
ثم إن النظرة إلى البحر ينبغي أن تكون نظرة تنتهي إلى معرفة أن البحار وما فيها من موانئ تعتبر نقاط تواصل بين الحضارات البشريّة. وواضح أن القدرة الإنسانية على التكامل الحضاري تعد بحد ذاتها نعمة إلهيّة، وهذه واحدة من مفاتح العلم وأصول المعرفة وسبل التكامل التي يُحرِّضنا القرآن الكريم على الاهتداء إليها. وليس ذلك إلَّا لنعتبرها وسيلةً للبحث الجدّي والانطلاق في الحياة.
وكتاب الله المجيد قد أمر المسلمين بأن يسيروا في الأرض برّها وبحرها ليعرفوا حقيقة الخلقة، ويتأكّدوا من بدء الخليقة. وهذا الأمر بالتحرّك لهذا النوع من المعرفة، سواء خلقة الإنسان أو الحيوانات أو النباتات، أو حتى خلقة الصخور وانفصال الأرض عن الشمس، يُعطي الباحث مزيدًا من المعلومات حول النفس الإنسانيّة؛ نظرًا لأن التاريخ هو مصباح المستقبل، ولأن من لا يعرف تاريخه الماضي، لا ريب سيجهل مستقبله.
كما أن ربّنا المتعال أمرنا بأن نسير في الأرض، لنعرف كيف كانت عاقبة الذين ظلموا؛ أي عاقبة الحضارات التي سادت وازدهرت ثم بادت، لنعرف لماذا بادت؟ لأن معرفتنا بنهايات الحضارات تعطينا دراسة عميقة في عوامل الصعود والسقوط، وفي عوامل التقدّم والانهيار.