بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٧ - بين الشكر والصبر
غيره ممن يعيش ظرفًا أكثر قسوة وأكثر تحدّيًا من ظرفه، تطمئن نفسه.
وغالبًا ما إذا نظر المرء إلى ما حوله، ووجد الصعوبات عند الآخرين، كان ذلك مدعاة لأن يشكر الله سبحانه وتعالى، لا سيّما حين يجد نفسه يملك ما لا يملك غيره، وأن من المصائب ما نزلت على الآخرين، ولم تنزل عليه.
وهذا يعني أنه كلّما اتسعت دائرة اهتمام الإنسان زمانًا ومكانًا تكاملت شخصيّته، ونما عقله، فصبر وشكر. والشكر لا يكون إلَّا حينما يعي الفرد أن هذه النعمة أو تلك؛ لم تكن ثم كانت، ويكون على يقين بأن طبيعة النعم أن تزول وتتبدّل.
وعلى هذا، فإن المرء حينما يكون صبّارًا شكورًا، فإنه في الحقيقة سيمتاز بصفة راقية تدفع به إلى التقدّم والسمو. ومثل هذه الشخصيّة هي التي تكشف له عن آيات الله سبحانه وتعالى، تبعًا لما تمتاز به من نظرة شمولية واعية، لتتصل فيما بعد بنور الله، فيزداد بهجة وسرورًا وحكمة في الحياة؛ إذ يتأكّد له أن المهيمن على العالم هو الله وحده دون سواه. فإذا أصابته- وهو في سفينة تحيط به أمواج البحار- مصيبة، فإن قلبه لا يخرج عن نطاق الاطمئنان، تبعًا لما لديه من التوجّه والاستمداد، لأنه يعرف أن الله لا يُقدّر له إلَّا الخير.
وهذا الإنسان يتمتّع بشخصيّة إيمانيّة فذّة، في حين أن الآخر يخشى أبسط الأمواج وأهدأ الرياح، لأنه مفتقر إلى الاطمئنان والاستقرار، ولا يعيش إلَّا همَّ نفسه. ومن هو كذلك، لا ينظر إلى ما حوله، ولا يعي شيئًا من آيات الله عزّ وجلّ.