بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - تفصيل القول
كلا؛ إنها لا تنتهي عند هذا الحدّ، إذ إن هناك أمورًا قد تبدو جزئية أو دقيقة، و قد لا ينتبه الإنسان إليها، لكنها تدخل في إطار مسؤولية الإنسان عن الآخرين. ومنها: ضرورة احترامه لبني جنسه، انطلاقًا من الحقوق التي تتمخّض عمّا أولى الله تعالى الإنسان من الكرامة. والمجتمع الفاضل هو المجتمع الذي يرعى الحقوق، حتى أصغرها، ويلتزم بها على صعيد التساوي؛ أي ضرورة أن يكون الالتزام بها التزامًا متبادلًا.
ولأن ابن آدم قد جُبل على الدفاع عن حقوقه والسعي وراء استيفائها بالكامل، فإن الحديث عادة ما يكون عن حقوق الآخرين، وإلَّا فإن كلّ إنسان مسؤول عن حقوقه الذاتية؛ أي ضرورة أن يهتم ببلوغ الكرامة الإلهية، وأن يحصل على حقوقه كاملة. ولكن لدى ذلك يسعى إلى نيل ما يعتبره من حقوقه على الآخرين، غامطًا أثناء ذلك حقوقهم، وربما لا يُعير لها أية أهميّة، وهناك
تحدث الفتنة الكبرى، وهي التطفيف. قال الله سبحانه وتعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [١].
أي أنهم يكيلون بمكيالين، إذ يستوفون حقوقهم كاملة، في حين يبخسون الناس أشياءَهم، ولا يفون الآخرين حقوقهم.
والآية أعلاه تفسّر سلبية التطفيف، ولكنّها لا تحدّده في قضيّة واحدة. وعلى هذا الاعتبار، فإن التطفيف هو عدم مراعاة حقوق الآخرين أنَّى كانت، وأين كانوا.
وقد سبق أن بيَّنَّا أننا بحاجة ماسّة إلى الحكمة، ومن الحكمة
[١] سورة المطففين، آية: ١- ٣.