بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - طرد التكبر؛ ملتقى الفضائل
إذن؛ فجماع الفضائل يتلخّص في كلمة، هي عدم الاستعلاء على الناس، وأن يُعطى الفرد حقوقه دون أن ينكر شيئًا منها أو يُبخس بعضًا. هذا هو أصل الحكمة في التعامل مع الآخرين، والذي لخَّصه حديث شريف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
: (فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا ..) [١].
ولكننا مع ذلك بحاجة إلى البحث عن المصاديق والمفردات التي تتجلّى فيها الحكمة.
وقد أغنانا ربنا سبحانه مهمة البحث عن المصاديق، بل فصّلها، فقال على لسان لقمان الحكيم وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.
والتصعير حالة مرضيّة تُصيب الإبل في بعض الأحيان تُسبِّب له التواءً في العنق، وهي تُسمّى الصَّعَر. أمّا لدى الإنسان، فهي حالة تشير إلى عدم اهتمامه بالآخرين تكبّرًا عليهم، فيعتبر نفسه أسمى من غيره، ولا يعير لآراء الآخرين أهميّة تُذكر، فلا يتعاون ولا يتشاور ولا يستفيد ولا يفيدهم في فكرة أو شيء آخر. بل من فرط تكبّره على الناس، تراه لا يهتم بما يلحق به من الضرر في انعزاله عنهم. مع أن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال
(مَنْ كَفَّ يَدَهُ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّمَا يَكُفُّ عَنْهُمْ يَداً وَاحِدَةً، وَيَكُفُّونَ عَنْهُ أَيْدِيَ كَثِيرَةً) [٢]
. أمّا التعاون مع الناس والالتفات إليهم، فهو بمثابة الاعتراف بوجودهم والقول بكرامتهم وشخصيّاتهم.
وقد يكون عدم اهتمام الإنسان بمن حوله، بداعي الانطواء، أو التكبّر، أو العداء تجاهم، في وقت كان مفترضًا بمن يصعّر خدّه
[١] نهج البلاغة، رسالة رقم ٣١.
[٢] الأصول من الكافي، ج ٢، ص ١١٧.