بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٩ - طرد التكبر؛ ملتقى الفضائل
قبل الخوض في تفصيل معاني هذا المقطع القرآني المقدّس، أرى من المناسب بمكان أن أشير إلى أن ما قد يُضمره الإنسان في نفسه لابد وأن يظهر في سلوكه، شاء أم أبى. وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ صلى الله عليه واله
(أَمَا إِنَّهُ لَوْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ) [١].
والقرآن المجيد حين يأمر الإنسان بأَلَّا يُصعّر خدّه للناس، وأَلَّا يمشي في الأرض مرحًا .. لأن هذه الحالات السلبية تأخذ لنفسها واقعًا خارجيًّا سلبيًّا أيضًا، وظهور هذه الصفات أمر مرفوض ومُدان من قبل الشارع المقدّس.
وما أحرى بابن آدم أن يتعرّف على ذاته ويغور في آفاق حقيقته، وإذ ذاك سيعلم بأنه عاجز عن خرق الأرض، وعاجز أيضًا عن مجاراة الجبال في ارتفاعها، مما يدفعه إلى مزيد من التواضع الواعي وعدم الشعور بالكبر والعظمة والمرح الذي يمثّل منتهى الفرح.
والإنسان جدير به أن يفكّر ويمعن النظر جيّدًا فيما لديه من نعم وإمكانات وميزات، فيتأكّد أن جميعها زائل من بين يديه.
هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، عليه أن يعرف أن هناك الكثير من الإمكانات والميزات لا يزال يفتقر إليها ولا يمتلكها. بمعنى أنه إذا كان التكبّر والمرح بسبب امتلاك ميزات معينة، فإن عدم امتلاك غيرها لابدّ أن يستتبعه التواضع والخشوع .. هذا إضافة إلى أن كلّ نعمة يتمتّع بها المرء تقابلها فريضة إبداء الشكر عليها، وذلك بتحمل مسؤوليتها، فإن لم يفعل فإنها تتحول إلى نقمة. فهل تأكد من قدرته عليها؟ فلماذا الفرح بها والمرح؟.
[١] بحار الأنوار، ج ٨١، ص ٢٢٨.