بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٨ - طرد التكبر؛ ملتقى الفضائل
للناس ويستعلي عليهم أن يسوق رؤيته وموقفه مما لديه ضمن جادّة الشكر، وأن ينطلق من منطلق تزكية ما لديه عبر أداء ما عليه من حقوق؛ فلا يحوّل نعمة العلم مثلًا إلى وسيلة استعلاء على الجهلة، وإنما يسعى إلى أداء حقّ العلم، فيُعلّم من يحتاج إلى العلم. وهكذا هو شأن سائر النعم التي يتمتّع بها ويحوز عليها. وأداء الحق هذا يعادل فضيلة التواضع، كما يُجنِّب صاحبه العقد النفسيّة ورذائل الأخلاق التي يجد المرء نفسه متورّطًا في نتائجها.
إنّ عقدة التكبّر والتصعير مرض شيطاني، ومن المفترض بالإنسان أن يقي نفسه شرّ هذه العقدة، وإن أُصيب بها، فعليه أن يعالجها بالوسائل الصحيحة الناجعة.
حتى أن الشيطان ليوحي إلى الإنسان بمجموعة من القيم الزائفة التي يجمعها التظاهر الفظ، ثم يؤكّد له خطلًا أن رفعة شأنه تتحقّق له إذا ما ارتدى ملابس جميلة جذّابة، أو ملك مالًا طائلًا، أو تمتّع بعلم أو جاه. وينسى في هذا الخضم أنه لا يعدو أن يكون مجرّد إنسان، والإنسان مفعهم بالضعف من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه.
ولقد عاشرت عددًا من العلماء والفقهاء، فرأيت فيهم التواضع، ومنهم من كان يسعى حثيثًا لأن يجعل نفسه أقل من الآخرين، وقاية من الشيطان الذي يدفعه لأن يتصوّر السمو على غيره. فتراه يتنازل، ضمن سلوك أخلاقي رفيع، حتى عن حقوقه البسيطة، وعن مستوى الآخرين ليتوازن معهم.
ثم يقول ربّنا المتعال وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً.