بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - حديث الكرامة
سبحانه وتعالى خلق في الذكر رغبة باتجاه الأنثى، كما خلق فيها رغبة فيه، فكانا معًا، زوجًا كريمًا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى كلّ شيء في هذه الأرض، إذ هناك حاجة متبادلة، وهي التي تحافظ على كرامة الأطراف كلّها، باعتبار أن كلّ طرف لا يحتاج إلى الآخر إلَّا بنسبة حاجة الآخر إليه، وهنا يحتفظ بالكرامة.
والحديث عن الكرامة حديث غريب في القرآن الحكيم؛ لأن القرآن يرشدنا إلى أن مع الخلقة كانت الكرامة من الله الذي جعل الأشياء في مستوًى من العيش ومن النعم، وفي مستوى من العطاء الذي يستشعرون فيه الكرامة، وهذه في الواقع لفتة قرآنية فذّة.
ولك أن تتصوّر شجرة في بيتك، ولك أن تفكّر لدى مشاهدتك لها في عديد نعم الله سبحانه وتعالى التي أسبغها على هذه الشجرة، ولتكن شجرة تفاح مثلًا، بجمالها وأناقتها وقوّتها وعطائها وإعطائها رزقها من مواد الأرض وأشعّة الشمس وماء السماء وعشرات الحاجات الأخرى.
وإنك قد تشاهد شجرة يانعة على مرتفع شاهق في جبل، فتجهل كلّ أسباب وجودها، لمعرفتك أنها قد نبتت وأينعت دون تدخل إنسان، وهي صامدة رغم ما تصادف من حرٍّ وبرد وجفاف وغير ذلك. وقد يتأتّى لك أن تكتشف أن طائرًا ما قد حمل في منقاره ذات مرّة بذرة فسقطت من فيه، حتى مرّ عليها زمن فأنبتت وأينعت شجرة، بعد أن رعتها سنن الرب في الطبيعة بإذنه تعالى.
إذن؛ فربّنا سبحانه وتعالى حينما خلق الخلق كلّهم، من إنسان إلى حيوان وإلى نبات، وإلى أرض وقمر وشمس .. تفضل عليها من النعم وأسباب الوجود، ما جعلها به غنيَّةً، وهذه هي