بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٨ - بين العذاب الأدنى والعذاب الأكبر
يصل إلى الحقيقة. وإن من يدَّعي أنه قد فكّر ولم يجد الحقيقة، فإنه مخطئ؛ لأن الله تعالى قد أتمّ حجّته على الناس، وكانت له الحجّة البالغة. هكذا يكفي كل إنسان وقفة تأمّل وتفكير ونيّة صادقة مخلصة، ليعرف الحقائق.
بين العذاب الأدنى والعذاب الأكبر
وهنا يشير ربّنا سبحانه وتعالى إلى هذا الأمر، ويقول أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ. وهذا التعبير القرآني يدل على أن الإنسان يعرف الشيطان ويعرف كونه عدوًّا له، ولكنه في الحقيقة غافل أو متغافل عنه يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ.
يعاني البشر في الدنيا ألوانًا من الشقاء؛ مثل الفقر والمرض والظلم وأمثال ذلك، ولكنّها مع ذلك تعتبر ألوانًا محدّدةُ بنسبة محدودة وبوقت معيّن ومكان محسوب، وفي النهاية يغادر الإنسان الدنيا وتنتهي كل تلك المعاناة. لكن المشكلة الكبرى والبلاء الأعظم هو في الآخرة، حيث لا يمكن بحال من الأحوال قياس عذاب الدنيا به. وقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنه قال
(إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ أُطْفِئَتْ سَبْعِينَ مَرَّةً بِالمَاءِ ثُمَّ الْتَهَبَتْ؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ آدَمِيٌّ أَنْ يُطِيقَهَا،
وَإِنَّهُ لَيُؤْتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تُوضَعَ عَلَى النَّارِ فَتَصْرَخَ صَرْخَةً لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَزَعاً مِنْ صَرْخَتِهَا) [١].
فكيف سيتحمّل الإنسان الضعيف، بجلده الرقيق، وعظامه الهشّة .. تلك النار؟!.
[١] بحار الأنوار، ج ٨، ص ٢٨٨.