بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - قصة وعبرة
النظرة الشمولية للحياة
وهكذا الإنسان ذو الشخصيّة المميّزة، ومن يتمتّع بثقة بالغة بنفسه، ولديه من الإيمان ما يجلّه، إنه يحترم عهده؛ وأول عهد يحترم، عهده مع الله تعالى، ذلك العهد الذي قطعه على نفسه حين تعرّضه للشدائد.
فهو يفي بعهده، لأنه يعرف حاجته دومًا لربّ العالمين، هذا أوّلًا.
ثم إنّ الملتزم بعهده يمتاز بنظرة شمولية للحياة في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك فهو يفكّر تفكيرًا يمتد من حاضره لمستقبله، ولا ينظر فقط إلى اللحظة التي يعيشها. وهذه صفة الإنسان الصبور؛ إنه يجعل المستقبل في حساباته، فلا يغدر، ولا ينقض الميثاق، وهو حينما يفعل ذلك، فإن صفة اليقين المتوفّرة لديه ولو بنسبة ضئيلة تستمر معه. وهذا الواقع يمنع الإنسان من الغدر والختر، ويُحرِّضه على الوفاء.
قصّة وعبرة
وبهذا المنحى، يُنقل أن ملكًا هاجم العدو دولته، فتعهّد مع ربه إذا تحقّق له النصر، زاد في عطاء جنده، قدرًا مقدورًا. ولكنّه حينما أراد الوفاء بنذره، وجد أن ما سيعطيه للجنود يشكّل عبئًا على ميزانيته، فاستشار وزراءه، فلم يهتدوا إلى رأي واحد، فاقترح أحدهم أن يُؤتى برجل من عامة الناس فيسأله فجاؤوا إليه بأعرابي، فطرحوا عليه المسألة بطريقة مبهمة.
فقال: أيها الملك؛ إذا كنت من نذرت له محط حاجتك إليه في المستقبل أيضًا، فعليك أن تفي بنذرك، وإلَّا فأنت في غنىً عن الوفاء.