بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٦ - لماذا ينقلب الإنسان على وجدانه؟!
لعلّنا نستفيد من الآيتين: الحادية والثلاثين، ثم الثانية والثلاثين من هذه السورة المباركة بأن هناك صفة لدى كل إنسان، إن وُجدت استفاد من ومضات اليقين هذه؛ وهذه الصفة هي صفة الشكر، وهكذا صفة الصبر. وتقابل صفة الشكر الكفران، ويقابل صفة الصبر الغدر، وقد عبّر عنه القرآن الحكيم بالختر، ولعله أغلظ من الغدر.
ونعود ونتساءل مرّة أخرى ونقول: كيف يمكن للإنسان أن يكون صبورًا، ولا يكون ختّارًا؟!.
نفهم من الآيات بصورة مجملة أن هناك علاقة وثيقة، بل انسجامًا واندماجًا بين الإيمان وبين هاتين الصفتين؛ أعني صفة الشكر والصبر. كما أن هناك صلة قريبة بين الكفران والغدر من جهة، وبين جحود آيات الله سبحانه وتعالى من جهة أخرى.
أمّا الجواب الحقيقي على التساؤلات أعلاه، فنجدها عند كلٍّ من علماء الأخلاق والنفس والتربية، إذ يشيرون إلى أن الإنسان الواثق من نفسه، المحترم لها؛ والذي يحس بشخصيّته المتكاملة في الداخل، دون الذي لا يرى من ذاته إلَّا هيكلها الخارجي، بل يعيش بقلبه شخصيّة متميّزة .. فهو يكون وفيًّا
بعهده، صبورًا على ما يتعرّض، شكورًا على ما ينال؛ لأنه يأبى على نفسه أن يكون ختّارًا غدّارًا.
وكمثال على ذلك ما رُويَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِيسَى قَالَ: (ضَاقَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهما السلام ضِيقَةٌ، فَأَتَى مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ: أَقْرِضْنِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
فَقَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي، وَلَكِنْ أُرِيدُ وَثِيقَةً.