بينات من فقه القرآن(سورة الفرقان) - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - احترام الذات
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ فنجّاهم من كل مشكلة، وخرجوا إلى البر بعيدًا عن الخطر، تراهم تفرقوا شيعًا.
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ فلا ينسى الميثاق الذي قطعه على نفسه. والاقتصاد هو الطريق الوسط، فرغم أن إيمانه في البر لا يرتقي إلى ما بلغه من الإيمان في البحر، وحين تعرّضه للمشكلة والشدّة .. إلَّا أنه اقتصد واتخذ طريقًا وسطًا.
ومنهم الذي انقلب على عقبيه، فجحد بنعمة النجاة، وجحد بما تعهّد ووعد لله .. والله عزّ اسمه يدين صاحب هذا الخيار، وهو الختّار الكفور، وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ.
فالختّار يعني: شديد الغدر.
والكفور هو: المستمر بالكفر وكفران النعم.
فكلّما دخل البحر، وكلّما تعرّض للشدّة، توجّه إلى الله .. وكلّما ترك البحر وتخلّص من الخطر، نسي الله مرّة بعد مرّة .. فلا يشكر أي نعمة من نعم الله التي أسبغها عليه.
إذن؛ فهو شديد الغدر بما عقد من صفقة مع ربّه. ومثل هذه الآية، آية وردت في سورة التوبة المباركة، حيث قال تعالى* وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [١].
فمن كان ذا شخصية مهانة وغير محترمة، كانت عهوده بلا حساب، وإذ هي هكذا، فإنه من غير المتوقّع له أن يفي بها. والبخل
[١] سورة التوبة، آية: ٧٥- ٧٦.